wait
| |
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
 » المقالات » المقالات -
0.0 (0)
[1439/01/23]

لا أسف على انسحابِ أمریکا من الیونسکو.. والتحاق إسرائیل بها..  

لا أسف على انسحابِ أمریکا من الیونسکو.. والتحاق إسرائیل بها.. هذا “الابتزاز″ العُنصری لن یُرهب المُنظّمة ویَدفعها للتّراجع عن مَوقفها المُشرّف الدّاعم لعُروبة القُدس المُحتلّة.. هل جاءت هذهِ الخُطوة لإسقاط المُرشّح العَربی لمَصلحة مُنافِسته الفرنسیّة؟ وکیف سَیکون رد العَرب أو من تَبقّى مِنهم؟

عبد الباری عطوان

OCTOBER 12, 2017

بقرارها الانسحاب “رسمیًّا” من مُنظّمة الأمم المتحدة للتربیّة والعلوم والثقافة (یونسکو) بسبب “انحیازها ضِد إسرائیل”، تُؤکّد الولایات المتحدة الأمریکیّة مُجدّدًا وقوفها فی خَندق الباطل، ودَعمها للعُنصریّة والاحتلال وجَرائم الحَرب التی یَرتکبها هذا الاحتلال فی الأراضی العربیّة المُحتلّة مُنذ سبعین عامًا تقریبًا.

هذا القرار من قِبل دَولةٍ تَدّعی زَعامة العالم الحُر، ومُکافحة الإرهاب، هو الذی سیُصعّد الإرهاب، ویَقتل ثقافة التّسامح، وتطویر التعلیم، والحِفاظ على التّراث الإنسانی ویُعزّز التطرّف فی العالم بأسره.

الذّنب الأکبر الذی ارتکبته هذهِ المُنظّمة الدولیّة المُحترمة، وتُعاقبها أمریکا من أجله، قُبولها بدولة فلسطین عُضوًا فیها، وإقرارها فی تشرین الثانی (نوفمبر) عام 2016 بأن المسجد الأقصى تراثٌ إسلامیٌّ خالص لا علاقة للیهود به، ولا سیادة لهم على المدینة المُحتلّة، وإدانتها لأعمال الحَفر التی تَقوم بها سُلطات الاحتلال الإسرائیلی، ویَستهدف جانبًا مِنها المَسجد الأقصى.

زعیمة العالم الدّیمقراطی الحُر تَرفض هذهِ القرارات التی صَدرت بعد تصویتٍ حُر نزیه شفّاف شارکت فیه جمیع الدّول الأعضاء، وفی مُنظّمةٍ ترأسها السیّدة البلغاریة ایریما بوکوفا، التی جَرى انتخابها لفَترتین مُتتالیین لحِیادیّتها وجُرأتها وانحیازها للقضایا الثقافیّة والإنسانیّة العادلة.

***

دولة الاحتلال الإسرائیلی سَحبت سَفیرها فی مُنظّمة الیونسکو احتجاجًا، بعد أن فَشِلَت کل مُحاولاتها فی مَنع صُدور مِثل هذهِ القرارات، وتَضامنت مَعها الولایات المتحدة التی أوقفت کل مُساعداتها المالیّة، وها هی تَنسحب کُلیًّا من المُنظّمة، وتُثبت أنّها إسرائیلیّة أکثر من الإسرائیلیین أنفسهم.

السّؤال الذی یَطرح نَفسه بقوّةٍ حالیًّا فی أروقة الأُمم المتحدة هو عن أسباب اتخاذ الولایات المتحدة قرار الانسحاب فی مِثل هذا التّوقیت بالذّات، حیثُ تَشهد المُنظّمة انتخاباتٍ مصیریّةٍ وحسّاسة لانتخاب المُدیر العام، وتَنحصر المُنافسة بین ثلاثة مُنافسین من بینهم اثنان من العَرب، هُما القطری الدکتور حمد الکواری، والمصریة مشیرة خطاب، إلى جانب الفرنسیة من أصلٍ یهودیٍّ مغربی اودریه ازولای، ابنه السید اندریة اوزلای، مُستشار العاهل المغربی محمد السادس، ووالده الرّاحل الحسن الثانی من قِبله.

الجولة الثّالثة من الاقتراع السرّی کَشفت عن تصدّر المُرشّحَین القطری والفرنسی السّباق بعد حُصول کل مُنهما على 18 صوتًا، وتَلتهما مُرشّحَة مصر مُباشرةً بحُصولها على 13 صوتًا، ومن المُتوقّع أن یَستمر التّصویت السرّی فی جولاتٍ أُخرى حتى یوم الجمعة.

الانسحاب الأمریکی وتوقیته، والمَحسوب بعنایةٍ، یَصب فی مَصلحة المُرشّحة الفرنسیّة التی تُؤکّد فی بَرنامجها الانتخابی على عَدم تأییدها لتسییس مُنظّمة “الیونسکو” والتّرکیز على الأمور الثقافیّة والتراثیّة والعلمیّة والتربویّة فقط، فی تلمیحٍ لمُعارضتها قرار نَفی أیّ صلةٍ لإسرائیل والیهود بالمدینة المُقدّسة ومَساجدها وکنائسهاـ فکیف یُمکن عَزل الثّقافة والتّعلیم عن السیاسة فی أراضی مُحتلّة تتعرّض فیها المدارس وتلامیذها للقَصف والتّدمیر، مِثلما شاهدنا فی قطاع غَزّة، وتتعرّض مَساجدها وکنائسها للشیء نَفسه.

کان من الطّبیعی أن تکون الحُکومة الإسرائیلیّة، وعلى لسان سفیرها فی الأمم المتحدة دانی یاتوم أول المُرحّبین، وربّما آخرهم، لانسحاب أمریکا من المُنظّمة، بُعید اتهامها بمُعاداة إسرائیل، مُشیرًا، أی السفیر، “بأنّنا نَقف الآن أمام عهدٍ جدید”، مُتباهیًا بقَوله “هُناک ثَمن لدَفعه مُقابل التّمییز ضِد إسرائیل”.

الإدارة الأمریکیّة تُدین نَفسها، وتُطلق النّار على قَدِمها، بالإقدام على هذهِ الخُطوة “الابتزازیّة” لواحدةٍ من أهم المُنظّمات الدولیّة حِیادًا وعَملاً لدَعم ثقافة الحِوار والتّسامح الثّقافی والإنسانی، وأکثرها نشاطًا واستقلالیّة فی الأُمم المتحدة.

هذا القرار بالانسحاب لیس غریبًا عن إدارة أمریکیّة یَتزعّمها الرئیس دونالد ترامب الذی أظهر کراهیّةً عُنصریّةً ضِد المُسلمین والأمریکیین من أصولٍ لاتینیّة وأفریقیّة، وانحاز بالکامل للیمین العُنصری الأمریکی.

لن یُرهب هذا الابتزاز الوَقح الدّول الأعضاء فی مُنظّمة الیونسکو، ولن یُبرئ إسرائیل من جرائم الحَرب، ومُمارساتها العُنصریّة فی الأراضی العربیّة المُحتلّة، کما أنّه یَفضح الوَجه الأمریکی العُنصری المُنحاز للاحتلال الإسرائیلی وجرائمه فی تَهوید المدینة المُقدّسة، ومُحاولة تَدمیر کنائسها ومَساجدها العربیّة والإسلامیّة، فأمریکا انسحبت من المُنظّمة وجَمّدت مُساعداتها فی زَمن الرئیس السنغالی مختار امبو، وبقیت “الیونسکو” رافعةً رأسها عالیًا فی وَجه الغَطرسة الأمریکیّة، وازدادت قُوّةً واستقلالاً.

***

فلتَنسحب إسرائیل العُنصریّة من الیونسکو، ولتَلحق بزعیمة العُنصریّة والقَتل والدّمار فی العالم الولایات المتحدة، ولا أسف عَلیهما، ونحن على ثقةٍ بأن وَضع المُنظّمة ومُستقبلها سیکون أفضل کثیرًا فی ظِل غِیابهما، فَقد کانا مِثل الضّرس المُلتهب والمُتعفّن بین أسنانها القویّة الصّلبة.

علینا کَعرب، أن نَقف وقفةَ شهامةٍ ورجولةٍ وشجاعةٍ إلى جانب هذهِ المُنظّمة، وأن نَضع خِلافاتنا الصّغیرة المُخجلة جانبًا، وأن نُقدم على سَد جَمیع عُجوزاتها المالیّة مَهما کَبُرَت وتَضخّمت بفِعل الانسحاب الأمریکی، خاصّةً أن بَعض حُکوماتنا تُنفق مِئات المِلیارات فی صَفقات أسلحةٍ تَذهب نِصف قیمتها فی عُمولاتِ الفَساد للسّماسرة العَرب وغیر العَرب.

ما تَحتاجه هذهِ المُنظّمة لسَد عُجوزاتها لا یَزید عن ثَمن بِضعة طائراتٍ حربیّةٍ، ومَجموعة صواریخ باتریوت التی تُکلّف الواحدة مِنها ثلاثة ملایین دولار، وتُستخدم فی إسقاط طائرة مُسیّرة بدون طیّار لا یزید ثَمنها عن 300 دولار فی الیَمن وغَیرها.

أمریکا وإسرائیل تَنسحبان من مُنظّمةٍ أکّدت على عُروبة وإسلامیّة القُدس، وعَدم شرعیّة احتلالها، والسیادة الإسرائیلیّة علیها، ألا تَستحق هذهِ المُنظّمة دَعمًا عربیًّا وإسلامیًّا سَخیًّا، ووَقفةً تضامنیّةً شُجاعةً ورجولیّة؟ نَترک الإجابة لکم وللقادة الذین یَقولون أنهم عرب ومُسلمون، ویَعتبرون القُدس المُحتلّة أولى القِبلتین، وأقصاها ثالث الحَرمین.

 

رأی الیوم