1 بهمن 1398 19:11:52

مرة أخرى.. حماس وإیران وتعزیة هنیة  

لا یزال الجدلُ مستمراً حول تعزیة حرکة حماس بالحاج قاسم سلیمانی الذی قضى فی عدوان جوی أمریکی استهدفه داخل الأراضی العراقیة، لکنَّ اللافت للأنظار هو أن أغلب من ینتقدون الحرکة ویکیلون الشتائم لقیادتها الحالیة هم إما من أبناء الحرکة الاسلامیة أو المقربین منها أو المحسوبین علیها، وهم بین النقد والنقد وبین الشتیمة والأخرى یقولون بأنهم "ناصحون محبون" وأنه "لا خیر فینا إن لم نقلها ولا خیر فیهم إن لم یسمعوها".


مرة أخرى.. حماس وإیران وتعزیة هنیة

محمد عایش

 الإثنین، 20 ینایر 2020 م 

لا یزال الجدلُ مستمراً حول تعزیة حرکة حماس بالحاج قاسم سلیمانی الذی قضى فی عدوان جوی أمریکی استهدفه داخل الأراضی العراقیة، لکنَّ اللافت للأنظار هو أن أغلب من ینتقدون الحرکة ویکیلون الشتائم لقیادتها الحالیة هم إما من أبناء الحرکة الاسلامیة أو المقربین منها أو المحسوبین علیها، وهم بین النقد والنقد وبین الشتیمة والأخرى یقولون بأنهم "ناصحون محبون" وأنه "لا خیر فینا إن لم نقلها ولا خیر فیهم إن لم یسمعوها".

والحقُّ أنَّ حرکة حماس کغیرها من الحرکات والتنظیمات والعاملین فی الشأن السیاسی وفی العمل العام تصیب وتُخطئ، ویتوجب أن تتحمل النقد مهما علا سقفه، ومن حق الناس أن یدلوا بآرائهم فیما تفعله الحرکة، خاصة إذا کنا نتحدث عن حرکة شارکت فی العملیة السیاسیة وفازت بأصوات الناخبین وأصبحت مدینة لهم وبات من حق هؤلاء الناخبین أن یحاسبوها على أدائها، وهذا کله معلوم بالضرورة ولا خلاف فیه.

لکنَّ الجدل المستمر والمستعر بشأن التعزیة تجاوز حدوده الطبیعیة ووصل الى درجة توجیه اتهامات لا علاقة لها بالمنطق لقیادة الحرکة، واللافت أن جملة من أبناء الحرکة وأنصارها یشارکون فی الحملة بحجة أنهم مناصرون لضحایا سوریا ومعارضون لایران، فیما یجری استغلال هؤلاء فی حملة شیطنة ممنهجة تتعرض لها حرکة حماس من قبل القوى التقلیدیة المناهضة للاسلام السیاسی فی المنطقة.

وبالنظر الى جملة الملابسات والانتقادات التی ثارت حول تعزیة حرکة حماس بالحاج قاسم سلیمانی، فانه یتوجب تسلیط الضوء على ما یلی:

أولاً: الذین یعیبون الیوم على اسماعیل هنیة وصفه لسلیمانی بأنه (شهید القدس) لم یُسمع لهم صوت عندما قال خالد مشعل (شکراً سوریا)، فکیف اعتبروا بأن الأولى تجرح مشاعر ضحایا الحرب فی سوریا بینما لا مشکلة فی الثانیة؟.. علماً بأن واقع الحال أن کلاهما لم یُخطئ، إذ من الطبیعی أن تقدم الحرکة الشکر للدولة المضیفة، ومن الطبیعی أیضاً اعتبار الرجل الذی قضى فی قصف نفذته طائرات الاحتلال على أرض عربیة بأنه "شهید القدس".

ثانیاً: فی سبتمبر 2017 زار وفد رفیع المستوى من حرکة حماس العاصمة الروسیة موسکو والتقى عدداً من المسؤولین الحکومیین هناک، وذلک على الرغم من أن القنابل الروسیة کانت تتساقط حینها کالمطر على رؤوس السوریین، لکننا لم نسمع حینها من ینتقد الزیارة، ولا من یربط بینها وبین ما یجری فی سوریا، وهذا هو الطبیعی، إذ لا علاقة لحماس بما یجری فی سوریا، کما أن حماس لیست مکلفة بمحاسبة الدول على سیاساتها.. فلماذا ینتفض الکثیرون الیوم من أجل انتقاد زیارة حماس لایران وتقدیم التعزیة بسلیمانی؟!

ثالثاً: ینشغل الکثیر من المتعاطفین مع الثورة السوریة والمتحمسین لمناصرة ضحایاها فی إقناعنا بأن حزب الله "میلیشیا طائفیة" ولیس حرکة مقاومة بسبب أنه تورط فی الحرب بسوریا، والغریب أن هؤلاء أنفسهم ینسون بأن منظمة التحریر الفلسطینیة تورطت فی الحرب بلبنان خلال عقدی السبعینات والثمانینات لکننا لم نسمع أحداً یقول بأنها أصبحت "میلیشیا طائفیة"، کما أن حرکتی حماس وفتح اقتتلتا فی غزة سنة 2007 وذهب فی ذلک الاقتتال الکثیر من الضحایا المدنیین الأبریاء ولم نسمع أیضاً من یقول أن فتح أو حماس تحولتا الى میلیشیات طائفیة.. والحقیقة هنا هو أنَّ کل هؤلاء حرکات مقاومة لکنهم ارتکبوا أخطاءً، وارتکاب الخطأ لا یجعل منک شیطاناً وإنما یجعل منک إنساناً طبیعیاً عادیاً یُصیب ویُخطئ.

رابعاً: الذین یطلبون من حرکة حماس التخلی عن تحالفها مع إیران، أو ینصحون حماس بــ"أن لا تضع البیض فی سلة واحدة"، هل لهم أن یکملوا نصائحهم ویوضحوا ما هی البدائل؟ ومن الذی یقبل الیوم بالتحالف مع حماس أو تقدیم الدعم لها؟.. فی الوقت الذی تقوم فیه العدید من الدول العربیة والدول "السُنیَّة" بإدراج الحرکة على قوائم الارهاب وتقوم باعتقال وتعذیب عناصرها ومصادرة أموالهم.

خامساً: الذین یتهمون إیران بالطائفیة علیهم الکف عن ذلک لأنَّ هذا الاتهام لیس صحیحاً، فهی تقدم الدعم لحرکات سُنیة وأخرى یساریة وأخرى علمانیة وسبق أن قدمت الکثیر من الدعم للراحل یاسر عرفات ولمنظمة التحریر وللسلطة الفلسطینیة ولم نسمع أحداً یقول بأن عرفات طائفی أو شیعی.. هذا مع الإقرار بأن من حق أی شخص أن یؤید أو یعارض النظام السیاسی فی إیران، لکن تُهمة الطائفیة لا تبدو منطقیة ولا مقنعة.

والخلاصة التی نذهب الیها هی أن قراءة المشهد السیاسی فی فلسطین والمنطقة تؤدی الى نتیجة مفادها أن حرکة حماس لیس أمامها سوى التحالف مع إیران واستئناف العلاقات مع سوریا وحزب الله، وهذا لیس معناه بالمطلق أنها تتخذ موقفاً من الحرب فی سوریا وإنما لا علاقة بین هذا وذاک، تماماً کما أن الاتحاد السوفییتی کان خلال عقد الثمانینیات یُقدم السلاح والتدریب لقوى المقاومة الفلسطینیة ولم نسمع حینها من یعیب علیهم ذلک لأن السوفییت یذبحون الأطفال فی أفغانستان.

کما أنَّ حرکة حماس لم تًخطئ من الناحیة السیاسیة یوم أن منحت سلیمانی لقب "شهید القدس"، کما لم تُخطئ یوم قالت "شکراً سوریا"، وإنما یُخطئ من یتمترس خلف شاشات الهاتف أو الحاسوب لتوجیه سهام اللوم والنقد وتقدیم النصائح المثالیة غیر القابلة للتطبیق.

جمیع المقالات المنشورة تعبر عن رأی کتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأی "عربی21"

محمد عایش

 

عربی21

Parameter:452060!model&4354!print -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)