26 شهريور 1398 01:44:00

القرارات الإسرائیلیة لا توفر شرعیة للاحتلال  


القرارات الإسرائیلیة لا توفر شرعیة للاحتلال

سعید الشهابی

 الإثنین، 16 سبتمبر 2019 

یخطئ من یظن أن قرار بنیامین نتنیاهو ضم الضفة الغربیة للکیان الإسرائیلی انطلق من الدوائر الإسرائیلیة فحسب، فهو أکبر من هذه الدوائر وأخطر من أن یکون صادرا عن جهة واحدة. فبالإضافة للشراکة الأمریکیة فی هذا القرار الکارثی، فمن المؤکد أن هناک جهات عربیة تدعمه لأسبابها الخاصة.

لقد أصبح التخلص من القضیة الفلسطینیة هما یراود قوى الثورة المضادة التی یتألف تحالفها من السعودیة والإمارات ومصر والبحرین، بالاضافة لـ «إسرائیل». هذا الهم ازداد ضغطا على أصحابه فی العقد الأخیر، وبالتحدید بعد الربیع العربی الذی أرعب انظمة الدول المذکورة؛ نظرا لما یتضمنه من ابعاد استراتیجیة ذات اثر مباشر على القضیة الفلسطینیة. فعلى مدى سبعة عقود متواصلة بقیت فلسطین وقضیتها همّا للمناضلین، لیس فی فلسطین أو العالم العربی فحسب، بل حتى فی الدول الأخرى من أمریکا اللاتینیة إلى أفریقیا وشرق آسیا. وبرغم المؤامرات المتواصلة لإنهائها، ما تزال هذه القضیة مشترکة فی أذهان المناضلین فی بلدان کثیرة؛ سواء کانت تشیلی أم جنوب أفریقیا أم الهند، کما هی همّ للمناضلین خاصة النقابیین فی أغلب الدول الأوروبیة. وقد ساهمت القضیة فی بلورة فهم عام مشترک بین المناضلین بأنها تجسید للصراع بین البرجوازیة والطبقة العاملة، بین المستعمرین وحرکات التحرر، بین الرأسمالیة والاشتراکیة، بین الحالة الإسلامیة وأعدائها، وبشکل عام، بین الحریة والاستبداد. هذه السمات لم تتوفر علیها إلا قضایا محدودة منها الصراع ضد النظام العنصری فی جنوب أفریقیا، والحرکات المناهضة للاستعمار فی دول العالم الثالث، خصوصا فی الهند بزعامة المهاتما غاندی. وأصبحت قضیة فلسطین مرتبطة بشکل مباشر بالقضایا الثوریة وسمة لکل مناضل، وعنوانا لکل نظام ثوری ینتصر على القوى الرجعیة (التی تمثلها الولایات المتحدة الأمریکیة) فی أی بلد من بلدان العالم الثالث.

قرار حکومة نتنیاهو لیس مزحة أبدا، بل مؤشر لمشروع خطیر تتواصل فصوله دون توقف. فنقل الولایات المتحدة سفارتها إلى القدس کان خطوة خطیرة على طریق مصادرة القدس جملة وتفصیلا وتجمید القرارات الدولیة التی تقضی بعدم شرعیة الاحتلال الإسرائیلی لهذه المدینة المقدسة. کما ان السیاسات المتواصلة لتهوید المدینة وغلق مساجدها، والاقتحامات الیومیة للحرم القدسی من قبل وزراء حکومة نتنیاهو والعناصر المتطرفة، کل ذلک یؤکد وجود خطة خطیرة لانهاء القضیة الفلسطینیة بالوسائل کافة: العسکریة والسیاسیة والدبلوماسیة. ولضمان دعم عربی رسمی لتلک الخطة الإجرامیة، فقد تم توظیف عدد من الحکومات العربیة ضمن مشروع تصفیة القضیة. وما التطبیع المتواصل مع الإسرائیلیین من قوى الثورة المضادة إلا جانب من خطة تصفیة القضیة. وللتشویش على عمق الخطة وشمولها وحجمها الکبیر، اختیرت حکومة البحرین لتتصدر مشهد التطبیع، وفق خطط نفسیة لتحیید المشاعر العامة العربیة والإسلامیة تجاه القضیة. ومن الخطأ قراءة تصریحات وزیر خارجیة البحرین الداعمة لـ «إسرائیل» والمبررة لجرائمها وعدوانها على الدول العربیة والإسلامیة الإقلیمیة، بانفصال عن مجمل الخطة الهادفة لتصفیة القضیة. کما أن استقبال الوزراء الصهاینة فی المنامة وفتح المجال لهم للتجول فی المناطق الشعبیة، لیس قرارا خاصا بحکومة البحرین، بل جزء من مشروع التطبیع الذی لا یمکن أن ینجح فی ظل استمرار القضیة الفلسطینیة. فلا بد من غلق ملفها لتختفی من الوجدان الشعبی العربی والإسلامی تدریجیا.

الإجراءات الإسرائیلیة، المدعومة أمریکیا، لمحو فلسطین وکسر شوکة أهلها متواصلة، ویعتقد مخططوها أن تباعد الأجیال المقبلة عن أصل القضیة سیصرف الأنظار عن عنوان اسمه «فلسطین»، وستصبح «إسرائیل» حقیقة واقعة لا یستطیع أحد إلغاءها. هذا ما یصرح به بعض السیاسیین وفی مقدمتهم وزیر خارجیة البحرین «الواقعی» الذی لا یتعب نفسه فی الحلم بقیام دولة فلسطینیة، أو إنکار وجود «إسرائیل». الواقعیة فی نظر المهزومین أن تقبل الوضع القائم وتستسلم له. الواقعیة أن تستسلم لعدوک، خصوصا إذا کان سیحمیک من غضب القریبین منک حین تختلف معهم. الواقعیة تعنی غیاب المبادئ الثابتة أو القیم الإنسانیة أو المرجعیة الفکریة أو الأخلاقیة أو الدینیة، التی تفرض علیک مواقف قد تتناقض مع ما تعتقد أنه «واقعی». ولکن فی مقابل هذه الواقعیة هناک الحق الذی لا یسقط بتقادم الزمن، بل یبقى ثابتا یستهوی جماهیر واسعة مستعدة للدفاع عنه. هذه الجماهیر قد تکون أطفالا لا تملک سوى الحجر الذی تستخدمه لحمایة نفسها، أو بیانا بلیغا یؤکد قداسة الحق والموقف المؤسس علیه. الإسرائیلیون ینطلقون من «مبادئ» وضعوها لأنفسهم وصاغوا سیاساتهم لتتناغم معها، والإیمان بها لیس محصورا بهم فحسب، بل یتم إجبار المنبطحین من الحکام العرب على الاستسلام لها وترویجها. فعندما ذهب «المدون» السعودی محمد سعود الذی طرده الفلسطینیون من القدس فی شهر تموز/یولیو الماضی إلى القدس لترویج التطبیع مع الاحتلال، کان ذلک ضمن مشروع التطبیع الذی یتم ترویجه بهدوء. کما انهالت الجماهیر بالنقد اللاذع لوزیر خارجیة البحرین عندما برر العدوان الإسرائیلی على ثلاث دول عربیة: لبنان وسوریا والعراق وقطاع غزة.
الإسرائیلیون مستمرون فی سیاسة إزالة الوجود الفلسطینی من الضفة الغربیة، ویخططون لعدوان واسع على القدس. وفی ظل صمت العالم العربی الذی یقوده فی الوقت الحاضر تحالف قوى الثورة المضادة، شعر المحتلون بالقوة، فضاعفوا فی الفترة الأخیرة عدوانهم على الوجود الفلسطینی فی الأراضی المحتلة کافة.

وفی الأسبوع الماضی، سلمت قوات الاحتلال عائلتی الأسیرین نصیر وقاسم عصافرة (من بلدة بیت کاحل شمال الخلیل) إخطارات بهدم منزلیهما؛ بتهمة تنفیذ عملیة قتل مستوطن. برغم ذلک یعیش الإسرائیلیون حالة توتر دائمة، فلا یتوقفون عن القتل أبدا، ولا یشعرون بالأمن ما دام الفلسطینیون یشعرون بحقهم فی أرضهم المحتلة؛ لذلک یقتلون ویسجنون ویبعدون ویهدمون ویدمرون. وقد استفادوا کثیرا من تواطؤ قوى الثورة المضادة مع جرائمهم، والاستمرار فی التعتیم على جرائم الاحتلال. ومع استمرار مسیرات العودة التی تخرج کل أسبوع من داخل غزة إلى الحدود التی فرضها الإسرائیلیون على القطاع، یتواصل سقوط الشهداء الذین یتجاهلهم بشکل کامل إعلام الأنظمة العربیة، التی قطعت أشواطا فی التطبیع مع إسرائیل. هذا العالم الذی یتنکر للحریة وحق البشر فی العیش أغمض عینیه على قتل علی سامی علی الأشکر، ذی السبعة عشر ربیعا على الحدود مع غزة. وأکثر من 300 سبقوه. وما أکثر الدماء التی أراقها الاحتلال فی مسیرات العودة هذه، بینما تواصل الأنظمة علاقاتها مع الکیان الإسرائیلی دون مساءلة أو عتاب للسفاحین المحتلین.

التواطؤ مع الاحتلال اتخذ أشکالا تثیر التقزز والغضب. إنه تواطؤ لا یقتصر على ترویج حق قوات الاحتلال فی البقاء على أرض فلسطین فحسب، أو السعی للتطبیع معها أو الاعتراف بالکیان الذی یحتل أرض فلسطین، بل أصبح المطبعون یستهدفون العناصر المقاومة للاحتلال بشکل مکشوف. وما الحملة الأخیرة التی تشنها السعودیة على منظمة «حماس» واعتقال من تشک فی تعاطفه معها سواء من المواطنین السعودیین أنفسهم أم الفلسطینیین العاملین فی الجزیرة العربیة، إلا تأکید لسیاسة القضاء على الکیانات الفلسطینیة المبدئیة کمطلب إسرائیلی محوری. القلق الإسرائیلی ومعه داعموه المذکورون یتصاعد مع إصرار الفلسطینیین على الصمود والتصدی للاحتلال والعدوان، خصوصا مع امتلاکهم أسلحة جدیدة، أعادت قدرا من التوازن العسکری مع العدو. فانتشار الطیارات المسیرة والصواریخ المتطورة سواء فی فلسطین أم الیمن، أصبح هاجسا لدى الجهات التی تمارس العدوان على الآخرین وتحتل أراضیهم، وتعتقد أنها قادرة على الهیمنة المطلقة وتحقیق النصر العسکری الحاسم. وسرعان ما تصطدم بالواقع. وقد جاء استهداف منشآت أرامکو النفطیة فی منطقتی بقیق وخریص الأسبوع الماضی، لیظهر فداحة الوضع الذی تعیشه السعودیة بسبب عدوانها على الیمن.
من هنا یتأکد استحالة تصفیة القضیة الفلسطینیة بالطریقة التی یأملها نتنیاهو وداعموه، فهی قضیة شعب ولیست قضیة سلاح، والشعوب الأبیة لا تستسلم مهما کان ثمن الصمود، هذا درس من فلسطین وأفغانستان والیمن، لمن أراد أن یتعلم أو یفهم.

عن صحیفة القدس العربی اللندنیة

 

عربی 21

 

Parameter:429980!model&4354!print -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)