24 مرداد 1398 01:20:53

مع قُرب إفراج بریطانیا عن ناقِلتها المُحتجزة: هل کسِبَت إیران حرب النّاقلات؟  


مع قُرب إفراج بریطانیا عن ناقِلتها المُحتجزة: هل کسِبَت إیران حرب النّاقلات؟ وهل حَوّل ترامب الخلیج إلى “علبة کبریت” حسب توصیف ظریف أم “برمیل بارود” مِثلما نعتقد؟ وما هِی الأسباب الخمسة التی تؤکّد هزیمة الرئیس الأمریکی فی مضیق هرمز حتّى الآن؟

عبد الباری عطوان

کان السیّد محمد جواد ظریف، وزیر الخارجیّة الإیرانی، مُصیبًا باتّهامه الولایات المتحدة الأمریکیّة بتحویل المِنطقة “إلى علبة کبریت قابلة للاشتعال”، بتصعید التوتّر فیها وإغراقها بصفقات أسلحة وصلت قیمتها إلى 50 مِلیار دولار فی العام الماضی فقط، ولکنّه لم یُحدّد الجِهة التی ستُقدّم على تفجیر المِنطقة، وإشعال فتیل الحرب فیها وکیف؟

کنّا نتمنى لو أن السیّد ظریف استخدم تعبیر “برمیل بارود” بدلًا من “علبة کبریت”، لأنّه أکثر دقّة لتوصیف الوضع الراهن، لتناسبه مع حجم الانفجار الذی یُمکن أن یحدث فی حال تحوّلت حالة التوتّر المُتصاعدة إلى مُواجهةٍ یُمکن أن تحرق المِنطقة برمّتها مثلما قال السیّد حسن نصر الله، أمین عام “حزب الله”، فی آخِر خطاباته، لأنّ ألسنة اللّهب لن تتوقّف عند حُدود مضیق هرمز وضفّتیه، وستمتد إلى دولٍ عدیدةٍ من شرق المُتوسّط مُرورًا بالبحر الأحمر، وانتهاءً ببحر قزوین شمالًا والمُحیط الهندی جنوبًا.

حماقة الرئیس دونالد ترامب، وخُضوعه للإملاءات الإسرائیلیّة، وسوء تقدیره للمَنظومة العسکریّة التی تضُم إیران وحُلفاءها، وأذرعها المقاتلة، هی التی أدّت إلى الوضع المُتفاقم حالیًّا فی مضیق هرمز ومیاه الخلیج، فقبل انسحابه من الاتّفاق النووی، کان أکثر من 18 ملیون برمیل من النفط تتدفّق إلى أسواق شرق آسیا وبعض الدول الأوروبیّة دون أیّ عوائق، ولم تکُن هُناک حاجة لحشد السّفن وحاملات الطائرات، وتشکیل الأحلاف لحمایة المِلاحة فی الخلیج.

بِضاعة الرئیس ترامب التی یُحاول تسویقها، وتتمثّل فی تشکیل التّحالف البحریّ “بارت”، ولم تجِد إلا القلیل من الزبائن، وحُلفاؤه سواء کانوا عربًا أو إسرائیلیین، یعیشون حالةً من القلق والرّعب من النتائج الکارثیّة التی یُمکن أن تحِل بهم وبلادهم فی حال انفجار برمیل البارود أو علبه الکبریت.

***

الجنرال ید الله جوانی، نائب رئیس الحرس الثوری الإیرانی، لا نعتقِد أنّه “ینطق عن هوى” عندما یخرج علینا فجأةً بتحذیراتٍ إلى أمریکا من الاعتداء، لیس على إیران فقط، وإنّما على ما وصفهم بأصدقاء الثورة الإیرانیّة، لأنّ الاعتداء سیعنی الدخول فی مُواجهةٍ مع إیران”.

لم یُفصح الجنرال جوانی عمّا یقصده بمثل هذه التحذیرات، ومن هُم هؤلاء الأصدقاء الذین یعتبر الاعتداء علیهم، اعتداءً على إیران، ویُمکن أن نتکهّن بأنّه یقصِد “حزب الله” فی لبنان، و”أنصار الله” فی الیمن، و”الحشد الشعبی” فی العِراق، الذی یتعرّض هذه الأیّام إلى هجماتٍ صاروخیّةٍ “غامضة”، یُعتقد أنّ أمریکا وإسرائیل خلفها.

الرئیس ترامب هو الخاسر حتّى الآن من حالة التوتّر التی تسبّب بها فی مِنطقة الخلیج، وذلک للأسباب التالیة:

أوّلًا: الإفراج البریطانی الوشیک (هناک تقاریر تؤکّد أن الإفراج سیتم غدًا الأربعاء) عن ناقلة النفط الإیرانیّة التی تم احتجازها فی مضیق جبل طارق قبل ستّة أسابیع تقریبًا، یعنی خسارة حرب الناقلات، والرّضوخ الکامل للإملاءات الإیرانیّة، ونجاح سیاسة العین بالعین والنّاقلة بالنّاقلة.

ثانیًا: انهیار التحالف العربی الذی تتزعّمه السعودیّة، ویحظى بدعمٍ أمریکیٍّ فی الیمن، بعد انسحاب الإمارات منه، واستیلاء قوّات المجلس الانتقالی الجنوبی على قصر المعاشیق ومُعظم المراکز العسکریّة التابعة للرئیس هادی وحُکومته فی عدن.

ثالثًا: فشل الولایات المتحدة فی الإقدام على أیّ أعمال انتقامیّة ضِد إیران بعد إسقاط طائرتها المُسیّرة، وإعطاب سِت ناقلات نفط، واحتجاز سفینتین بریطانیتین، وقصف سفارتها فی العِراق بعدّة صواریخ وذلک خوفًا من الرّد الإیرانی.

رابعًا: عودة إیران إلى تخصیب الیورانیوم بمُعدّلات عالیة، وإعلانها الیوم عن زیادة مخزونها منه إلى 370 کیلوغرامًا، أیّ بزیادة 70 کیلوغرامًا حتّى الآن، عن الکمیّة المسموح بها فی الاتّفاق النووی.

خامسًا: فتح دولة الإمارات قنوات حوار مع طِهران، والتوصّل إلى اتّفاقات أمنیّة أثناء زیارة وفدها إلى العاصمة الإیرانیّة قبل أسبوع، فی انتهاکٍ صریحٍ للعُقوبات الأمریکیّة.

سادسًا: إعلان السیّد محمد الحکیم، وزیر الخارجیّة العِراقی، عن رفض بلاده، أحد أبرز حُلفاء أمریکا، عن مُعارضته لأی مُشارکة إسرائیلیّة فی قوّة الأمن البحریّة لحمایة السفن التجاریّة فی مضیق هرمز الأمر الذی یُشکّل صفعة للرئیس ترامب، وإحراجًا للدول الخلیجیّة التی رحّبت بهذه المُشارکة، إذا کانت ما زالت تشعُر بالحَرج.

***

لا نعرِف من الذی سیُشعِل برمیل البارود أو علبة الکبریت، ولکن ما نعرفه، أنّ کُل المُؤشّرات تؤکّد بأنّ إیران لن تستسلم وترفع الرایات البیضاء بالتّالی، وستواصل “التحرّش” بالجانب الأمریکی الذی تسبّب بهذه الأزمة بالتّقسیط المُریح، وستضعه أمام خِیارین لا ثالث لهما، الأوّل: رفع العُقوبات والعودة للاتّفاق النووی، والثّانی: الذّهاب إلى الحرب والبِدء فی إشعال فتیلها، وتحمّل مسؤولیّة نتائجها، ولا نعتقِد أنّ هُناک حلًّا وسطًا فی ظِل توقّف الوِساطات والوسطاء، وتشبّت الطّرف الإیرانی بشُروطه کاملةً.

صحیح أنّ استمرار حالة اللّاسلم واللّاحرب الحالیّة لا تخدِم الطرف الإیرانی الذی یُعانی شعبه تحت الحِصار الخانق، ولکنّنا لا نستبعِد استغلالها للمزید من أعمال التّخصیب وبنسبٍ عالیةٍ، والاقتراب من إنتاج الکمیّات اللّازمة لإنتاج أسلحة نوویّة فی الوقت الراهن أو المُستقبل، والعودة إلى مرحلةِ ما قبل المُفاوضات التی أدّت إلى الاتّفاق النووی.

إیران فی حالةٍ “استشهادیّةٍ”، ونقولها للمرّة الثانیة تذکیرًا وتحذیرًا، ولن تقبَل بالمُرور فی سابقة النّفق العِراقی المُؤدّی إلى تجویع شعبها، وسُقوط نظامها، ومن یقول غیر ذلک لا یفهَم معنى “کرامة الشّعوب وکبریائها الوطنیّ”.. والأیّام بیننا.

 

رأی الیوم

Parameter:425668!model&4354!print -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)