19 بهمن 1395 03:10:00

٩٩ عاماً مضت على وعد بلفور المشؤوم  


2016/11/02

یصادف الیوم الذکرى التاسعة والتسعین لإطلاق المملکة البریطانیة ممثلة بوزیر خارجیتها آرثر بلفور وعدها المشؤوم والذی عرفه العالم بإسم وعد بلفور. هذا الوعد الذی تمثل برسالة أرسلها بلفور إلى اللورد روتشیلد أحد زعماء الحرکة الصهیونیة فی تلک الفترة، نصَّ على تطلع بریطانیا إلى تأسیس وطن قومی للیهود فی فلسطین فکان أولى الخطوات العملیة التی تخطوها الدول الاستعماریة ممثلة ببریطانیا على طریق احتلال فلسطین وزرع الکیان الصهیونی فی قلب الأمتین العربیة والإسلامیة.

للتاریخ حکایة

یقول قائد الثورة الإسلامیة الإمام الخامنئی فی إحدى کلماته: "بناء على الوثائق التاریخیة، تأسیس الدولة الصهیونیة هناک (فلسطین)، کان مطلباً استعماریاً للحکومة البریطانیة قبل أن یکون حلماً للیهود. هناک أدلة تشیر إلى أن العدید من الیهود کانوا یعتقدون بعدم الحاجة لهذه الدولة؛ وأن هذه الدولة لیست فی مصلحتهم؛ لأنهم کانوا فارین. لهذا، لم تکن هذه أمنیة وفکرة یهودیة؛ بل کانت فی معظمها فکرة استعماریة وفکرة بریطانیة."(1)

الإمام الخامنئی: تأسیس الدولة الصهیونیة کان فکرة استعماریة وفکرة بریطانیة أکثر من کونه أمنیة وفکرة یهودیة

یشیر الإمام الخامنئی فی هذه الکلمة بکل وضوح إلى أن احتلال فلسطین کان مطلباً استعماریاً بریطانیاً قبل أن یکون حلماً یهودیاً، وهنا لا بدَّ من مراجعة التاریخ قلیلاً؛ فالمطالع لتاریخ احتلال فلسطین وکیفیة نشوء الکیان الصهیونی سوف یصادف بلا ریب اسم اللورد شافتسبری، شافتسبری هذا کان عضواً فی البرلمان البریطانی ویصفه البعض بأنه واحدٌ من أهم الشخصیات الإنجلیزیة فی القرن التاسع عشر. هنا قد یسأل سائل لماذا نتکلم عن شافتسبری وموضوع مقالتنا وعد بلفور؛ والجواب یتلخص فی أن هذا السیاسی البریطانی قد أفشى من خلال کتاباته التی کتبها قبل أعوام عدیدة من إطلاق وعد بلفور أهداف بریطانیا الحقیقیة من إعطائها هذا الوعد. حیث کتب فی عام 1876 -أی قبل 41 عام من إطلاق وعد بلفور- قائلاً: "إن فلسطین فی حاجة إلى السکان ورأس المال، وبإمکان الیهود أن یعطوها الشیئین معاً، وإنجلترا لها مصلحة فی استرجاعهم لأنها سـتکون ضربة لإنجـلترا إن وُضع منافسـوها فی سوریا. لکل هذا، یجب أن تحتفظ إنجلترا بسوریا لنفسها کما یجب أن تدافع عن قومیة الیهود وتساعدهم حتى یعودوا فیکونوا بمنزلة الخمیرة لأرضهم القدیمة. إن إنجلترا أکبر قوة تجاریة وبحریة فی العالم، ولهذا فلابد لها أن تضطلع بدور توطین الیهود فی فلسطین... وهذه لیست تجربة مصطنعة... إنها الطبیعة... إنه التاریخ"(2) سوریا فی کلام شافتسبری تعنی سوریا الطبیعیة بما فیها سوریا الحالیة ولبنان والأردن وفلسطین، أما منافس انجلترا الذی یشیر إلیه فهو فرنسا التی کانت تتطلع هی الأخرى إلى وضع یدها على هذه البقعة المهمة من العالم. ومرت السنون وبدأت الدول الاستعماریة تتقدمها بریطانیا فی تطبیق مختطاتها، وبعد عدة اتفاقیات وتنازلات فیما بین فرنسا وبریطانیا تم التوقیع على اتفاقیة سایکس بیکو سنة 1916م ومُنحت بریطانیا وفقها فلسطین والأردن؛ تمهیداً لتحقیق ما أشار إلیه شافتسبری فی السیطرة على هذه البقعة وإسکان الیهود فیها مما یضمن مصالح المملکة البریطانیة إلى الأبد.

یشهد التاریخ أنه لم تلتزم دولة غربیة فی عهد قطعته کما التزمت بریطانیا فی تطبیق وعد بلفور

یشهد التاریخ أنه لم تلتزم دولة غربیة فی عهد قطعته کما التزمت بریطانیا فی تطبیق وعد بلفور، حیث عملت هذه الدولة منذ احتلالها فلسطین على تشجیع هجرة الیهود إلیها، کما مدتهم بالسلاح والمال وسهلت استملاکهم الأراضی، فیما مارست کل الضغوط على الشعب الفلسطینی وواجهت اعتراضاته بالقمع والحدید والنار. حیث کان الهدف من کل هذه الضغوط العمل على إفراغ فلسطین من شعبها الأصلی لتحقیق عبارة "شعب بلا وطن.. لوطن بلا شعب" والتی کان اللورد شافتسبری ذاته أول من قالها. وفعلاً نجحت بریطانیا ومعها بقیة الدول الاستعماریة فی تحقیق هدفها؛ حیث شهد یوم 15 أیار 1948 إعلان قیام الکیان الإسرائیلی على أرض فلسطین. هذا الیوم کان عیداً وخاتمةً سعیدة لمخططات ومؤامرات جمة نفذتها بریطانیا والدول الاستعماریة والعصابات الصهیونیة، وهو نفس الیوم الذی عرفه العرب والمسلمون بیوم النکبة وبدایة عصر اغتصاب فلسطین على ید شذاذ الآفاق.

وعود بلفوریة أخرى:

 إذن کانت بریطانیا هی الدولة السباقة إلى مدِّ ید العون للحرکة الصهیونیة العالمیة وتسهیل اغتصابهم فلسطین وإقامة کیانهم المزعوم. وبعد الحرب العالمیة الثانیة انتقلت قیادة المعسکر الاستعماری من بریطانیا إلى أمریکا، وعملت أمریکا على إکمال المسیرة البریطانیة وتعهدت بالحفاظ على أمن "إسرائیل" ودعمها بکل الوسائل الممکنة بما فیها الدعم السیاسی والعسکری والاقتصادی والأمنی وغیره ویکفینا أن نعلم أن الدولة الأولى التی تعترف بقیام الکیان الإسرائیلی کانت أمریکا؛ حیث اعترفت بهذا الکیان بعد عدة دقائق فقط من إعلان قیامه.

عملت أمریکا على إکمال المسیرة البریطانیة وتعهدت بالحفاظ على أمن "إسرائیل" ودعمها بکل الوسائل الممکنة بما فیها الدعم السیاسی والعسکری والاقتصادی والأمنی وغیره

کما أن استخدام أمریکا حق النقض الفیتو أکثر من 36 مرة حمایة للکیان الإسرائیلی وللحؤول دون إدانته أو توجیه أی لوم إلیه، لهو خیر دلیل على تبنیها هذا الکیان بکل جرائمه وفظائعه.

فی إحدى کلماته یشیر الإمام الخامنئی إلى دور أمریکا الخبیث فی مأساة الشعب الفلسطینی ومعاناته حیث یقول سماحته: "القضیة الفلسطینیة کانت منذ نصف قرن حتی الآن تمثّل مأساة للمسلمین وذروة آلامهم وأمرّ حادثة فی تاریخهم الحدیث، غیر أنّه بعد وعد بلفور المشؤوم الذی شکّل الخطوة الاولی فی تشرید الفلسطینیین لم ‌تتعرّض فلسطین المحتلّة ولم ‌یتعرّض شعبها لأخطر من هذه المؤامراة التی تحیک خیوطها الیوم أمریکا تساندها بعض الدّول الاخری ویدعمها سکوت وتعاون بعض بلدان المنطقة العربیة." (3)

دور أمریکا الیوم لا یقلُّ خطورةً عن ما قامت به بریطانیا حینما أطلقت وعدها

فدور أمریکا الیوم لا یقلُّ خطورةً عن ما قامت به بریطانیا حینما أطلقت وعدها، وما السیاسة الأمریکیة التی تشهدها منطقتنا العربیة الیوم المتمثلة بالدعم اللامحدود للکیان الإسرائیلی واستباحة حرمات الدول وقتل وتشرید شعوبها من أفغانستان إلى العراق ولیبیا والیمن، ودعم المجموعات التکفیریة فی سوریا والعراق وغیرها من الدول المبتلیة بهذه المجموعات الإرهابیة ما هی إلا أدلة واضحة على أصالة الشر فی هذه الدولة الاستعماریة، والتی تثبت یوماً بعد یوم أنها بحق الشیطان الأکبر الذی لا یرتوی من شرب الدماء.

 

المراجع:

کلمة الإمام الخامنئی خلال خطبتی صلاة الجمعة فی طهران 15/12/2000

موقع موسوعة النکبة

کلمة الإمام الخامنئی خلال خطبتی صلاة الجمعة فی طهران27/9/1991

 

المصدر:                     arabic.khamenei.ir

Parameter:224935!model&8309!print -LayoutId:8309 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(عربی)