|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/03/06]

أحکی عن غزة.. وخاشقجی  

أحکی عن غزة.. وخاشقجی

وائل قندیل

14 نوفمبر 2018

عاد الکیان الصهیونی من الخلیج منتشیًا بهذه الفتوحات التاریخیة فی عواصم لم تکن، فی السابق، تجرؤ على الجهر بالتطبیع، فأراد أن یستثمر حصیلة الجولة فی تأدیب غزة، عقدته الوجودیة التی أذلّت غطرسته، وداست بأقدامها على أساطیر التفوّق المادی.

وأزعم أننا نسیء کثیرًا إلى غزة، ونهین مشروع المقاومة، مشروع حیاة غزة، حین نفسّر العدوان الصهیونی أخیرا بأنه محاولة من الاحتلال لانتشال قتلة جمال خاشقجی من ورطتهم، بوصفهم رهانًا إسرائیلیًا على المستقبل الذی تفرض فیه هیمنتها على الخریطة العربیة، کما أن فی ذلک إهانة لروح الشهید جمال خاشقجی أیضًا، ذلک أن الصهاینة لم یکونوا حملانَ ودیعةً قبل اغتیال خاشقجی، ثم تحوّلوا إلى أوغاد بعد اغتیاله، فهم قتلة وسفاحون طوال الوقت، وکراهیتهم غزة وإصرارهم على سحقها واجبٌ کل وقت بالنسبة لهم، ناهیک عن إن إسرائیل، حسب تعبیر صدیق فلسطینی من غزة، لا تشتغل عند طرفٍ عربی، بل تریدهم جمیعًا شغالین عندها، ثم لماذا تنتشلهم بینما هی تحصل، ومعها رجلها الوفی فی البیت الأبیض، على الأکثر والأغلى کلما کانوا مطروحین أرضًا تحت قدمیها؟. 

کما أنها لم تکن لتجد أفضل من الوضع الراهن، حیث حروب العرب ضد العرب على أشدّها، لمناسبة اغتیال خاشقجی، أو من دونها، وحیث الرأی العام العربی محبوسٌ ومستنزفٌ فی دواحس وغبراوات کُثُر، فلماذا لا تستثمر هذه الظروف فی توجیه ضربةٍ ظنّتها ساحقةً ماحقةً لمشروع المقاومة فی غزة؟.

غیر أنها، کما فی کل مرة، ومثل کل الأمهات الرائعات، تطل علینا غزة بوجهها الصبوح فی أحلک الأوقات، تطمئننا وتثبتنا وتملأنا بالأمل. والأهم من ذلک تذکرنا بالأبجدیات، وتقوّم الانحراف والاعوجاج، وتعید تعریف الأشیاء وصیاغة المعانی، وتحرق کل الأوراق فی أیدی کل اللاعبین.

تزورنا غزة، توقظنا حین نخلد للنوم على وسائد الوهم والخرافة، تهزّنا هزًا فیتساقط الکذب المعشّش فی الرؤوس، ویُستعاد الوعی المعذّب فی أقبیة التسویات ودهالیز إعلامٍ یشوی الوجوه بخطاب الواقعیة الانهزامیة، وأباطیل التسلیم بمعادلات القوة وموازین القدرة.

حضرت غزة فی أعقاب صراع عربی على الظفر بکأس الهرولة، فی أیامٍ نحساتٍ، استمتع فیها الصهاینة بدفء الاستقبال فی عواصم الخلیج، بما بدا معه وکأن الجمیع سلموا أنفسهم للمشیئة الصهیونیة، وراحوا یتنافسون على المواقع الأکثر قربًا منها.

تقول لنا غزة إن الهزیمة لیست قدرًا محتومًا على کل بقعة فی أرض العرب، وأن الضعف والاستسلام لیسا الخیار الوحید لنا، وأن الإنسان هو قوة الوطن الحقیقیة، وأن الإیمان بالحق هو القدرة التی تقهر ترسانات الأسلحة وأساطیل الغطرسة، هذا الإنسان المسحوق المغیّب المقتول خنقًا، وتقطیعًا بالمناشیر فی کل بلاد العرب، إلا غزة، وحدها تقدّس الحیاة فلا تهاب الموت، ولا تعرف الخوف، ولا تختبئ خلف جدران الضعف.

فی کل مرةٍ، یضاعف العدو من حقده، ویکثف ضرباته المجنونة، یکون انتصار غزة أقوى وأوضح، ذلک أنها تمتلک الترسانة الأقوى، ترسانة القوة الروحیة، والوعی المکتمل فی رأس مواطن غزة، طفلًا وشابًا وشیخاً: نحن محتلون إذن، فالمقاومة جوهر وجودنا، هی غایتنا ووسیلتنا المشروعة والوحیدة من أجل البقاء.

من هنا، ینبت الإبداع، وهنا یکون التعلیم سلاحًا رئیسًا، لتسجل غزة أرقامًا تتفوّق بها على کثیر من عرب الوفرة والتخمة فی جدول المناطق الأقل فی نسبة الأمیة، بحسب إحصاءات الیونسکو. وهنا تکون معجزة تطویر القدرة الصاروخیة وامتلاکها فی المنطقة التی یخنقها الشقیق بالحصار أکثر من العدو، وتلک هی المعادلة المعجزة: غزة کلما اختنقت، انفجرت إبداعًا مذهلًا فی القدرة على الحیاة والبقاء والتطور، وکلما اغتالوا فیها عقلًا نبتت عقول جدیدة تحمل الشعلة، وتواصل الابتکار لتصنیع السلاح، فبعد مؤسس "القسام"، صلاح شحادة (اغتیل عام 2002)، جاء "المهندس" یحیى عیاش (اغتیل عام 1996)، فصعد قائد جدید  لتطویر التصنیع المحلی عدنان الغول (اغتیل عام 2004)، ثم جاء سعد العربید (اغتیل عام 2004)، فظهر  من أدخل التکنولوجیا الحدیثة إلى عملیات التصنیع، رئیس أرکان "حماس"، مروان عیسى، الذی خلف أحمد  الجعبری الذی استشهد عام 2012.. وهکذا حتى جاءت اللیلة الفائتة، وأمطرت السماء فوق الاحتلال مئات من صواریخ المقاومة، فعرف العالم أن العجز لا یبیت فی غزة، وأنها لا تمنح صداقتها للمنهزمین.

شکرًا غزة، ودام حضورک فینا.

وائل قندیل

کاتب وصحفی مصری، من أسرة "العربی الجدید"

العربی الجدید

Parameter:360649!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)