|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/08/06]

الأرض - بقلم د. ولید القططی  

الأرض - بقلم د. ولید القططی

فلسطین الیوم

30 مارس 2020

کتب الدکتور: ولید القططی

کتبَ الشاعرُ الثائرُ فؤاد حداد بعد النکسة قصیدة (الأرض بتتکلم عربی)، اختار الموسیقار سید مکاوی بعض أبیاتها فلحنها وغناها، لیؤکدا سویاً على عروبة فلسطین، والتحریض على تحریر أرضها، وضرورة النهوض من ظُلمة الهزیمة نحو نور النصر. فؤاد حداد واصل دعوته لتحریر الأرض بالمقاومة صادحاً "ازرع کل الأرض مقاومه.. ترمی فی کل الأرض جذور.. ان کان ظلمه تمد النور.. وان کان سجن تهد السور.. کون البادئ کون البادئ.. کل فروع الحق بنادق..غیر الدم محدش صادق". هذه المعانی أکد علیها الشاعر الوطنی محمود درویش فی قصیدته (الأرض) مُبشّراً بهزیمة المشروع العابر "أنا الأرض، أیها العابرون على الأرض فی صحوها .. لن تمروا .. لن تمروا.. لن تمروا". وهو الذی کتب فی وثیقة الاستقلال عن دیمومة التصاق الشعب بالأرض، وعن التوّحد الکلی بین الأرض والإنسان، ونتیجة لهذه الدیمومة والتوّحد مُنحت للأرض هویتها، ونُفخت فی الشعب روح الوطن، وتطورت ذات الشعب، وتشکلت ملامح الهویة الوطنیة، وکتب عن الالتحام بین الانسان والمکان والزمان، فأصبحتْ الأرضُ وطناً تسکنه روحُ الشعب، فتسری فی عروق أبنائه لتمدهم بأسباب الوجود والحیاة وتلهمهم قیم الصمود والثورة.

الأرضُ التی کتب عنها الشاعران حداد ودرویش لیست بالطبع الأرض بمفهومها العلمی الجغرافی المُجرّد من العاطفة والخالی من الإحساس؛ بل هی الأرض بمفهومها الوجدانی الوطنی المُترع بالعاطفة والمُفعم بالإحساس، الأرض بعاطفة الوطنیین وإحساس الشعراء هی ما یسکن وجدان الإنسان من  عواطف وأحاسیس تربطه بالأرض التی وُلد فیها وترعرع على ترابها حقیقة واقعیة؛ فأصبحت وطنه الذی یسکن فیه، أو الأرض التی نشأ بعیداً عنها، وحلمَ بالعودة إلیها، وتکوّنت فی ذهنه صورة مُتخیلة، فأصبحت وطنه الذی یسکن داخله، وهذه الأرض کما یقول الشاعر أمل دنقل " هی أشیاء لا تُشترى.. ذکریات الطفولة بین أخیک وبینک .. حسُّکما  فجأةً  بالرجولةِ .." . وکذلک هی ضحکاتکما البریئة بین اختک وبینک.. رائحة خبز أمک وحنینک لأن تحضنک.. صوت أبیک یرن فی أذنیک وتوقک للشعور بالأمان إلى جانبه.. حکایات جدتک قبل نومک.. نکهة قهوة جدک فی أنفک.. ألعاب الطفولة الساذجة مع أولاد وبنات الجیران.. الأرض کل ذلک وأکثر. 

الأرض التی یعشقها الفقراء والشعراء لیست مجرد تراب من طمی ورمل وصخر وماء وهواء، الأرض دم الشهداء، وأنین الجرحى، ووجع الأسرى، وعرق الکادحین، ودمع المعذبین، وحنین اللاجئین، ورائحة الآباء، وروح الأجداد، وشموخ الثوار، الأرض التی رُویت بماء العزة والکرامة، فأنبتتْ شجرَ الشموخ والکبریاء، أکل من ثماره أسلافنا فأورثت فی نفوسهم الشرف والإباء، فکانت من ثمارها الطیبة قیمة التمسک والتشبث بالأرض کأعلى فضیلة، وهذا ما استقر فی وجدان کل فلسطینی وتوارثه کابراً عن کابر. وبقدر تمسک الفلسطینی بفضیلة التمسک بالأرض کعنوان لوجوده وهویته وکرامته، کان تمسک الحرکة الصهیونیة برذیلة انتزاع الأرض من أیدی أصحابها، فکانت الأرضُ جوهرَ الصراع وأساس القضیة، لیکتمل المشروع الصهیونی بالثالوث المقدس- الاله والشعب والأرض- فیحل إله بنی إسرائیل بزعمهم فی الأرض لتصبح أرضاً فریدة مقدسة، ویحل فی الشعب لیصبح شعباً مختاراً مفضلاً، ولا تکتمل القدسیة والأفضلیة إلا بعودة الیهود إلى أرض المیعاد المقدسة فی فلسطین، فتلتقی رؤیتا المشروع الصهیونی والمشروع الغربی فی احتلال أرض فلسطین کرأس حربة للمشروع الغربی الاستعماری ضد الأمة.

على أساس الفکرتین الدینیة والاستعماریة قام المشروع الصهیونی وهدفه المرکزی هو (الأرض)، فاخترع کذبته التاریخیة الکُبرى بأن " فلسطین أرض بلا شعب یجب أن تُعطى لشعب بلا أرض وهم الیهود"، وبناء على هذه الکذبة سعت الحرکة الصهیونیة إلى تفریغ أرض فلسطین من سکانها الأصلیین، وتملیکها للمستوطنین الیهود المجتلبین من شتى بقاع الأرض إلى فلسطین لفیفا حیث وعد الآخرة، وکان الاستیلاء على الأرض قبل النکبة بالخداع والشراء ومساعدة المحتلین الانجلیز، وبالقوة والارهاب والمذابح أثناء النکبة باستراتیجیة الاستیلاء على أکبر مساحة من الأرض وأقل عدد من الفلسطینیین، وبقوة الدولة والقوانین بعد قیام (إسرائیل) فأصدرت قانون أملاک الغائبین، وقانون الأراضی البور، والقوانین العسکریة، وطبقت قانون الأراضی الأمیریة... وصولاً إلى إصدار قانون (تطویر الجلیل والنقب) الذی تم بموجبه مصادرة (21) ألف دونم من أراضی قُرى عرابة وسخنین ودیر حنا وعرب السواعدة.. فاندلعت بسببه انتفاضة یوم الأرض فی الثلاثین من مارس آذار عام 1976، وسقط عشرات الشهداء والجرحى.

الاستیلاء على الأرض الفلسطینیة لیست حدثاً عابراً فی یوم الأرض قبل أکثر من أربعة عقود من زمن الصراع على الأرض، بل هی استراتیجیة ثابتة، ونهجاً مستمراً، ومنظومة متواصلة، منذ زراعة أول بذرة خبیثة للمشروع الصهیونی فی فلسطین فی الربع الأخیر من القرن التاسع عشر، وطوال عقود القرن العشرین، وحتى القرن الحادی والعشرین، ولا زالت الأرض هی جوهر الصراع وأساس القضیة، ولا زالت الأرض محور وموضوع وهدف الکیان الصهیونی بالمصادرة والتهوید والاستیطان والضم، ولا غرابة فی ذلک، ولکن الغرابة فی عدم وجود مشروع وطنی فلسطینی مناقض للمشروع الصهیونی یسعى إلى المحافظة على الأرض وتحریرها والعودة إلیها، وهذا یعنی أن نجعل کل یوم هو یوم الأرض، وهذا یقتضی أن یکون وجودنا على الأرض الفلسطینیة وعدم الهجرة منها محور استراتیجیتنا الوطنیة، فبمجرد المحافظة على الوجود الإنسانی الفلسطینی فی کل فلسطین المحتلة من البحر إلى النهر هو هدف أساسی یُبطل الأساس الذی قام علیه المشروع الصهیونی الذی یزعم أن فلسطین أرض بلا شعب، وتعزیز الوجود یتطلب بدوره دعم صمود الناس وخاصة الشباب لیبقوا فی وطنهم وبالمقابل جعل فلسطین مکاناً غیر آمن وغیر قابل للحیاة للمستوطنین الیهود، فیتم ضرب وإضعاف رکیزتی الهجرة والاستیطان أهم محاور المشروع الصهیونی. فیکون ذلک أول الطریق لتحریر الأرض والعودة إلى الوطن، واستعادة الالتحام بین الانسان والزمان والمکان، واسترجاع الامتزاج بین الشعب والتاریخ والأرض، فتعود للوطن روحه وللشعب قلبه.

 

فلسطین الیوم

Parameter:454376!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)