|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/10/21]

الإرهاب الاقتصادی الأمیرکی کنموذج لإرهاب الدولة  

قلما یتم الحدیث عالمیاً عن إرهاب الدولة، الذی یعد أخطر أنواع الإرهاب. تتغاضى الدول عن التطرق إلى هذا الإرهاب لأسباب سیاسیة مریبة، بالرغم من أن خطورته تفوق کثیراً ارهاب الأفراد ـ الجماعة، إلا أن المعاییر المزدوجة لدى الغرب تجعل الدول الکبرى تمنع التعریج إلى تعریف إرهاب الدولة من قبل المنظمات الدولیة. وقد رفضت الولایات المتحدة الأمیرکیة ودول الغرب تعریف إرهاب الدولة وذکره من ضمن أنواع الإرهاب الذی تطرق إلیه مجلس الأمن والمؤتمرات الدولیة مع أن الدول النامیة طالبت وتطالب بتعریفه بشکل مستمر، لکن الرفض الأمیرکی کان سباقاً دائماً، لأمور تتعلق بالسیاسة الأمیرکیة والاستمرار فی استراتیجیاتها الإرهابیة من خلال سیاستها الخارجیة وحروبها وغزواتها.

الإرهاب الاقتصادی الأمیرکی کنموذج لإرهاب الدولة

د.علی مطر

11/06/2020

قلما یتم الحدیث عالمیاً عن إرهاب الدولة، الذی یعد أخطر أنواع الإرهاب. تتغاضى الدول عن التطرق إلى هذا الإرهاب لأسباب سیاسیة مریبة، بالرغم من أن خطورته تفوق کثیراً ارهاب الأفراد ـ الجماعة، إلا أن المعاییر المزدوجة لدى الغرب تجعل الدول الکبرى تمنع التعریج إلى تعریف إرهاب الدولة من قبل المنظمات الدولیة. وقد رفضت الولایات المتحدة الأمیرکیة ودول الغرب تعریف إرهاب الدولة وذکره من ضمن أنواع الإرهاب الذی تطرق إلیه مجلس الأمن والمؤتمرات الدولیة مع أن الدول النامیة طالبت وتطالب بتعریفه بشکل مستمر، لکن الرفض الأمیرکی کان سباقاً دائماً، لأمور تتعلق بالسیاسة الأمیرکیة والاستمرار فی استراتیجیاتها الإرهابیة من خلال سیاستها الخارجیة وحروبها وغزواتها.

یشکل إرهاب الدولة جزءاً لا یتجزأ من الحروب التی تشنها الإدارة الأمیرکیة وحلفاؤها على الشعوب، خاصةً فی منطقة الشرق الأوسط. وتعد أمیرکا أحد أکثر الدول إرهاباً فی العالم، لا بل إنها تتفرد فی القرن الواحد والعشرین إلى جانب حلفائها وعلى رأسهم "إسرائیل" والسعودیة بإرهاب الدولة. لکن المشکلة أن الحدیث عندما یتعلق بالإرهاب یکون من خلال الإشارة إلى أعمال العنف والقتل والتسبب بالجروح البلیغة لأسباب سیاسیة أو دینیة أو عرقیة أو من أجل إخضاع حکومة ما لسیاسات محددة، لکن قل من تحدث عن ارهاب الدولة الذی هو ذلک الفعل الذی یُرتکب لتحقیق أهداف سیاسیة أو اجتماعیة أو اقتصادیة ولکن لیس بوسائل عسکریة وعنفیة إنما من خلال الحصار الاقتصادی والعقوبات التی تخضع الکثیر من دول العالم لسیاسات محددة.

الإرهاب الاقتصادی

هذه الحرب الاقتصادیة قد یناقش البعض فی مدى إمکانیة وصفها بالإرهاب، لکننا إذا تحدثنا عن نتائجها فإننا سنصل إلى حتمیة کونها جزءاً من إرهاب الدولة، لأن الهدف منها لا یقل عن هدف الأعمال العنفیة التی تکون لإخضاع الدولة، وبالتالی فإن الحصار الاقتصادی لا یؤثر على الدولة ـ الحکومة وحدها، بل إنه یطال الشعب القاطن فی هذه الدولة، والذی یمکن أن یصل إلى حد الجوع والفقر المدقع، کما حصل من خلال حصار السعودیة للشعب الیمنی خلال العدوان الذی تشنه منذ 5 سنوات، وکما تتعامل الولایات المتحدة الأمیرکیة مع سوریا الیوم حیث تم إحراق حقول القمح والسیطرة على الابار النفطیة السوریة وفرض حصار مدقع علیها من خلال ما یعرف حالیاً بقانون قیصر، وکما یحصل ایضاً مع ایران التی لا زالت ترزح تحت حصار اقتصادی منذ 40 سنة لتزداد حدته من قبل الإدارة الأمیرکیة فی السنوات الأخیرة، ولولا أن الدولة الإیرانیة لدیها قدرات وخطط دائمة للخروج من الحصار لکان الشعب الإیرانی الیوم یرزح تحت المجاعة. کما تتمثل هذه الحرب من خلال العقوبات على فنزویلا التی بدأت تفتقد للوقود فیما هی تملک أهم احتیاطات نفطیة فی العالم، وکذلک على دول أخرى فی العالم، حتى أن حلفاء واشنطن لا یسلمون من هذه العقوبات، کما أنها دائماً ما تطالب الدول بالتعویض علیها کما یفعل ترامب بالنسبة لحلف شمال الأطلسی، أو فی علاقته مع دول الخلیج وفی مقدمتهم السعودیة على الرغم من خضوعها لهیمنة واشنطن وقبولها بالتطبیع مع "اسرائیل".

لقد تحولت العقوبات الاقتصادیة إلى الاستراتیجیة الأکثر استخداماً فی سیاسة الهیمنة الأمیرکیة. أصبحت البدیل عن الحروب العسکریة، لمحاولة تغییر القرارات الإستراتیجیة للدول والجهات الفاعلة التی تهدد مصالحها، ولفرض تغیرات جیوسیاسیة تصب فی استراتیجیة الهیمنة. وقد ذهبت الإدارة الأمریکیة برئاسة دونالد ترامب إلى عملیة ضخ کبرى للعقوبات کإحدى أدوات سیاساتها الاقتصادیة. وتعد سیاستها هذه من أخطر أنواع السیاسات التی تندرج فی إطار السیاسات الدولیة، من خلال ممارسة الضغط على الدول المستهدفة بالعقوبات بهدف تغییر مواقفها فی الاتجاه الذی تریده.

وإذا تطرقنا للمخالفات القانونیة التی تقوم بها الولایات المتحدة الأمیرکیة للمواثیق الدولیة، سنرى أنها لا تقل مخالفةً للشرعیة الدولیة التی ترفض استخدام القوة فی العلاقات الدولیة کما ورد فی الفقرة الرابعة من المادة الثانیة فی میثاق الأمم المتحدة، وبالتالی فإن الحدیث عن الانتهاکات الأمیرکیة للقانون الدولی، ینطلق من مسلمة قانونیة أساسیة، هی أن هذه العقوبات لا یحق لدولة ما أن تفرضها من خارج سیاق الأمم المتحدة، سواء فرضت ضد دول أو کیانات إلا إذا کانت لا تتناقض مع ما تنص علیه مبادئ الأمم المتحدة أو قراراتها الصادرة عن الجمعیة العامة للأمم المتحدة، أو مجلس الأمن.

إرهاب قیصر

ویمکننا الإشارة إلى أن أحد أکثر النماذج خطورة للإرهاب الاقتصادی الیوم هو قانون قیصر الذی یدخل حیّز التنفیذ فی الـ17 من الشهر الجاری، لیکمل الحرب على سوریا عبر العقوبات، التی تهدف إلى خنق سوریا، وقد بدأ ذلک من خلال الارتفاع الجنونی لسعر الصرف نتیجة العجز الشدید الحاصل فی المیزانیة السوریة. والمشکلة الکبرى هی أن هذا القانون لا یمس سوریا فقط بل یمس أیضاً کل الدول التی یمکن أن تتعامل معها بشکل أو بآخر ما سیؤدی إلى خنق سوریا وغیرها من الدول مثل لبنان الذی کان من المفترض أن یعید ترتیب علاقاته مع سوریا للتخفیف من حدة الأزمة الاقتصادیة فیه. 

هذا القانون الجائر هو اسمٌ للعدید من مشاریع القوانین المقترحة من الکونغرس الأمریکی موجّهة ضد الحکومة السوریة. ویستهدف القانون أیضًا الأفراد والشرکات الذین یقدمون التمویل أو المساعدة للدولة السوریة؛ کما یستهدفُ عددًا من الصناعات السوریة بما فی ذلک تلک المُتعلِّقة بالبنیة التحتیة والصیانة العسکریة وإنتاج الطاقة عدا عن استهدافهِ للکثیر من الکیانات التی تقدّم الدعم لسوریا. 

ومن المفاعیل الأولى لهذا القرار حاجة سوریا للقمح بکمیات کبیرة لا یمکن الحصول علیها بسهولة، ما سیؤثر على الشعب والحکومة معاً، خاصةً أن کمّیة القمح التی کانت تحصل علیها سوریا عبر الشراء من الفلاحین فی منطقة شرقی الفرات، لم تعد الحکومة قادرة الآن على تحصیلها بسبب منع الإدارة الذاتیة تسلیم القمح للحکومة السوریة، وبعد حرق حقول القمح، ما یعنی أن الحکومة أصبحت بحاجة إلى استیراد ملیون طن قمح زیادة، وهی الکمیة التی کانت تأتی من شرقی الفرات. ومن النماذج ایضا ما أوصَت به لجنة الدراسات فی الحزب الجمهوری بالکونغرس الأمیرکی، فی غمرة اشتداد الأزمة المالیة الاقتصادیة النقدیة المعیشیة فی لبنان من عقوبات یمکن أن تستهدف شخصیات فی المقاومة أو مقربة منها أو من حلفائها.
وفق کل ذلک، فإن ما تقوم به واشنطن فی تعاملها مع الدول هو إرهاب اقتصادی یخرق السیادة الوطنیة التی تعد السلطة العلیا للدولة فی إدارة شؤونها فی الداخل وفی علاقاتها الخارجیة.

 

موقع العهد الاخباری

Parameter:458455!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)