|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/01/27]

الدبلوماسیّة الإیرانیّة تکسب الجولة عالمیًّا وإقلیمیًّا.. والعرب غائبون کُلّیًّا.. ومُبادرتها بإنشاء “تحالف الأمل” تستحق الاهتمام..  

الدبلوماسیّة الإیرانیّة تکسب الجولة عالمیًّا وإقلیمیًّا.. والعرب غائبون کُلّیًّا.. ومُبادرتها بإنشاء “تحالف الأمل” تستحق الاهتمام.. کیف أحبط خامنئی قمّة روحانی ترامب فی اللّحظة الأخیرة؟ ولماذا کان مُحِقًّا فی توصیفه للأوروبیین بالتبعیّة لأمریکا؟

عبد الباری عطوان

مُعظم التطوّرات السیاسیّة، إن لم یکن کلها، تسیر وفق ما تشتهی إیران، فالسیّد حسن روحانی کان نجم الدورة الحالیّة للجمعیّة العامّة للأمم المتحدة، ودونالد ترامب، الرئیس الأمریکی الذی یُشهر سیف العداء لطِهران، ویفرِض علیها عُقوبات خانقة، باتَ مُنشغلًا بفضائحه الانتخابیّة، ویقِف على أعتاب تحقیقاتٍ من مجلس النواب الأمریکی قد تؤدّی إلى عزله، أو تقلیص فرص فوزه بولایة ثانیة کأضعف الاحتمالات، وها هی الصین تنزل إلى الحلبة وترصُد 450 ملیارًا لدعم الاقتصاد الإیرانی.

الدبلوماسیّة الإیرانیّة کانت الرابحة على المَسرح الدولی، ومیدان الأمم المتحدة ودهالیزها خاصّةً، فمُعظم الزعماء الغربیین کانوا یقِفون فی طابور طویل للقاء الرئیس روحانی، وبذَل الرئیس الفرنسی إیمانویل ماکرون جُهودًا کبیرةً لتحقیق اختراق بجمعه مع الرئیس ترامب الذی یتحرّق شوقًا لمِثل هذا اللقاء، ویستجدی الوسطاء لترتیبه، أو حتى مُصافحة عابرة أمام عدسات التلفزة، ولکن هذا الاختراق لم یتم، بل بدأ یعطی نتائج عکسیّة، بالنسبة إلى ماکرون وأوروبا، فالإیرانیّون لا یقعون فی المصیدة الأوروبیّة بسهولةٍ، ولیسوا مُغرمین بالصور والمُصافحات والابتسامات المُصطنعة، فالصّور مثلما قال الرئیس روحانی تتّخذ فی المرحلة الأخیرة من المُفاوضات وبعد التوصّل إلى اتّفاق ولیس فی بدایتها.

السیّد علی خامنئی، المرشد الأعلى للثورة الإیرانیّة أکّد مجددًا أنّه هو الذی یمسک بکُل خُطوط اللعبة الدبلوماسیّة، وهو الذی یحدّد قواعدها، فعندما یؤکّد فی موقعه الرسمی الخاص على “أنّ إیران تستطیع التفاوض مع العالم أجمع باستثناء أمریکا والکیان الصهیونی”، ویشُن هجومًا شرسًا على الأوروبیین الذی قال إنّهم لا یختلفون أبدًا عن أمریکا، وما زالوا مُلتزمین بالحِصار الأمریکی، “ولا ینفّذون وعودهم باتّخاذ أیّ إجراء ضدّه” فهذا یعنی أن انتظار الرئیس ترامب للقاء روحانی على مائدة المُفاوضات سیطول، وربّما لن یتم مُطلقًا، لأنّ أیّام ترامب باتت معدودةً فی ظل الأزمات التی تُحیط به من کُل جانب وروحانی استنفذ سنواته فی السلطة تقریبًا، بعد فوزه بولایةٍ ثانیة، والرئیس الإیرانی المُقبل ربّما یکون من جناح المُتشدّدین، حسین سلامی أو قاسم سلیمانی مثلًا.

***

الإیرانیّون، مثلما أثبتت الأحداث وتجارب السنوات، بل العُقود الماضیة، یتمتّعون بنَفَسٍ طویل، ویتمسّکون بکُل شُروطهم، وغیر مهووسین بالغرب، ولا یخشونه أو یهابون قوّته، مِثل نُظرائهم العرب، ولهذا من المُستحیل أن یذهبوا إلى مائدة المُفاوضات، وسیف العُقوبات مُسلّطًا على أعناق ثمانین مِلیون إیرانی.

نتّفق کُلِّیًّا مع المرشد فی تصنیفه للأوروبیین کأتباع للولایات المتحدة لا یرفضون لها طلبًا، لأنّهم شارکوا، وسیُشارکون فی جمیع حُروبها، فی أفغانستان والعِراق وسوریة ولیبیا، وربّما قریبًا فی إیران، والرّهان علیهم رهان کحلیف، أو کقُوّة مُوازیة لأمریکا یُمکن الاعتماد علیها رِهانٌ خاسِرٌ.

الأوروبیّون، وبریطانیا وفرنسا على وجه التّحدید، انخرطوا فی حربین دون مُوافقة أمریکا، والأولى الحرب العالمیّة الثانیة، ولولا التدخّل العسکری الأمریکی لخسروها، والثانیة حرب السویس، أو العُدوان الثلاثی البریطانی الفرنسی الإسرائیلی عام 1956 وخسروها بسبب المُعارضة الأمریکیّة، والأکثر من ذلک خسروا مُستعمراتهم وانهارت امبراطوریّاتهم فی مُختلف أنحاء العالم، ومُنذ ذلک التاریخ تراجع الأوروبیون إلى المقاعد الخلفیّة وقرّروا عدم الإقدام على أیّ حرب بدون مُوافقة أمریکا، وخوض جمیع حُروبها فی الوقت نفسه.

الرئیس ترامب یعیش أسوأ أیّامه، ویقبع حالیًّا فی غرفة إنعاش مجلس النواب التی تُشرِف علیها المرأة الحدیدیّة نانسی بیلوسی، ولا نعتقد أنه فی موقع یؤهّله خوض حروب ضِد إیران، ولمصلحة حمایة حُلفائه فی الخلیج، وخاصّةً السعودیّة والإمارات فی الوقت نفسه، ممّا یعنی أنّ إیران “ستجول وتصفر” مثلما ترید بعد أن خلا لها الجو، ولو فی المرحلة الحالیّة على الأقل، ولا یُمکن أن نتجاهل فی هذه العُجالة حالة الفوضى السیاسیّة التی تعیشها الدولة العبریّة المُحرّض الأکبر على هذه الحرب.

المُبادرة التی طرحها السیّد روحانی فی خطابه أمام الأمم المتحدة وتضمّنت دعوةَ دول منطقة الخلیج إلى المُشارکة فی تحالفٍ أسماه “تحالف الأمل” أهم بُنوده “عدم الاعتداء وعدم التدخّل فی الشؤون الداخلیّة للدول الأخرى الأعضاء فیه”، تستحق الدراسة، ولعلّها تکون المخرج من حالة التوتّر الحالیّة، خاصّةً فی ظِل انعدام البدائل للأطراف العربیّة المعنیّة، فهل ستنتظر دول الخلیج حتى تتفاوض أمریکا سِرًّا مع إیران، وتوقّع صفقةً معها وبشُروطها ومن وراء ظهرها، مثلما حصل بالاتّفاق النووی عام 2015، وتکون مِثل الزّوج المَخدوع آخر من یعلم؟

ترامب لن یُحارب إیران لحمایة دول الخلیج، وهو الذی عارض الحرب على العِراق، وأفغانستان، وجعل من سحب القوّات الأمریکیّة منهما العُنوان الأبرز لحملته الانتخابیّة الرئاسیّة السابقة، وکُل من یقول بغیر ذلک وأهم، ولا نقول أکثر من ذلک.

إیران تقول وتفعل، خصّبت الیورانیوم بأجهزة طرد مرکزی حدیثة ومُتطوّرة، وبمُعدّلات عالیة، وأسقطت طائرة مسیّرة أمریکیّة، واحتجزت ناقلة بریطانیّة أعطبت ست ناقلات أخرى، وقدّمت لأذرعها العسکریّة فی لبنان وغزّة والیمن والعِراق أحدث الصّواریخ والطائرات المُسیّرة، والتّکنولوجیا اللّازمة لإنتاجها محلِّیًّا، وما العَیب أن تستخدم حرکة “أنصار الله” الحوثیّة صواریخ وطائرات مُسیّرة إیرانیّة، فهل تُحارب السعودیّة والإمارات ومِصر والأردن وإسرائیل بأسلحةٍ من إنتاجِ مصانعها الحربیّة؟ أرجوکم احترموا عُقولنا؟

***

نکتُب هنا بکُل موضوعیّة، ونعتز بعرُوبتنا التی تخلّى عنها الکثیرون أثناء لهاثهم خلف أمریکا، وانخِراطهم فی جمیع حُروبها ضِد کُل المشاریع النهضویّة العربیّة، والاستغلال بالحمایة الإسرائیلیّة وفتح أبوابهم لوزرائها وریاضیها، وإغلاقها فی وجه الأشقّاء، نحنُ لم نتغیّر، وهم الذین لم یتعلّموا مُطلقًا من أخطائهم، وما زالوا یُراهنون على أمریکا وأسلحتها التی فقدت هیبتها وأثبَتَت فشَلها؟

نحنُ مع المُبادرة الإیرانیّة فی الحِوار وعدم الاعتداء ورفض أیّ تدخّل فی الشؤون الخارجیّة، ولتکُن هُدنةً تُفسِح المجال لعودة “المُرتدین” إلى الثّوابت العربیّة، وتوجیه بوصلتهم نحو العدو الحقیقی الذی یُهدّد الأمّة، أیّ دولة الاحتلال الإسرائیلی، والبِدء فی بناء مشروع نهضویّ عربیّ فی الصّعد کافّة، وفی مُقدّمتها الصّعید العسکریّ، أمّا الاکتفاء بالاعتماد على الآخرین مُقابل المِلیارات فلن یقود إلا إلى الغَرق أکثر فی مُستنقعات الضّعف والخُذلان والمَهانة، وإهدار ثَرَوات الأُمّة وأجیالها الحالیّة والقادمة.

 

رأی الیوم

Parameter:431528!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)