|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/10/02]

الصواریخ الدقیقة: إسرائیل أمام سیناربو الکارثة  

الصواریخ الدقیقة: إسرائیل أمام سیناربو الکارثة

محمد بدیر

الإثنین 3 حزیران 2019

«مشروع الدقة» هو الاسم الذی تطلقه إسرائیل على مساعی حزب الله لامتلاک و«إنتاج» قدرة صاروخیة دقیقة. هذا الاسم تحوّل فی الأعوام الأخیرة إلى عنوان الاشتباک الساخن القائم ــــ سیاسیاً ومیدانیاً ــــ بین المقاومة وتل أبیب على جبهتی سوریا ولبنان. لیس الأمر أن الصواریخ غیر الدقیقة التی تمتلکها المقاومة (عددها بحسب آخر الإحصاءات الإسرائیلیة یصل الى نحو 140 ألفاً) لم تعد تمثل تهدیداً لإسرائیل یستدعی المعالجة. ولکن، غایة المسألة أن العدو صار یائساً من إمکان التأثیر على الکم العددی المتراکم لهذه الصواریخ، بحیث أصبح أی جهد سیاسی أو عملیاتی ــــ وقائی أو استباقی ــــ ضدّه عبثیاً، وأشبه بالحراثة فی بحر. لکن یبقى أن للصواریخ الدقیقة خطورتها الاستثنائیة فی میزان التهدیدات الإسرائیلی.
ترتکز القوة العسکریة الإسرائیلیة على دعامتین أساسیتین: المناورة البریة المدرعة والسریعة، أی القدرة على التوغل داخل أراضی العدو والسیطرة علیها فی وقت قیاسی؛ والتفوق الجوی، أی القدرة على الوصول إلى أی نقطة فی ساحات العدو واستهدافها بدقة. المقاومة قوّضت، عملیاً، الدعامة الأولى من خلال اشتغالها على أمرین: الأول هو تصورها العملانی القائم على القتال المیلیشیاوی الذی من شأنه أن یحول أی سیطرة بریة إلى حالة استنزاف ممیت، والثانی هو حیازتها صواریخ موجهة مضادة للدروع قادرة على الفتک بدرّة تاج التدریع الإسرائیلی المتمثل بدبابة «میرکافا» من الجیل الرابع. أما الدعامة الثانیة، فرغم أن المقاومة لم تعلن ــــ حتى الآن ــــ امتلاکها قدرات إعتراضیة بإمکانها التصدی للتهدید الجوی أو الحد منه، لکنها اشتغلت على امتلاک قدرات موازیة سعت من خلالها إلى اختزال هذا التهدید، بمعنى إیجاد توازن مقابلٍ لفعالیته القتالیة. تجسد ذلک فی السلاح الصاروخی الذی وفّر للمقاومة إمکانات هجومیة میزتُها القدرة على استهداف «عقب أخیل» الإسرائیلی المتمثل بالجبهة الداخلیة التی من المسلّم أن امتداد رحى الحرب نحوها یشکل عاملاً حاسماً فی التأثیر على مسارها ونتائجها.
لکن حتى هنا، کانت فعالیة التهدید الصاروخی إحصائیة. ذلک أن الصواریخ، بنسختها الغبیة، ستضرب العمق بشکل شبه عشوائی، وسینتج منها أثر تدمیری غیر مرکز. فی حین أن إدخال خاصیة الدقة إلى الرمایات الناریة العمیقة من شأنه أن یضفی قِیَماً مضاعفة على فعالیتها الحربیة، وذلک من خلال ثلاثة مسارات: الأول، إتاحته إمکانیة ممارسة الضغط المباشر على القدرة القتالیة للجیش الإسرائیلی عبر استهداف الثکنات العسکریة وقواعد سلاح الجو ومناطق التحشید ومنشآت السیطرة والتحکم وما شاکل؛ الثانی إتاحته إمکانیة تشویش بل وشلّ منظومات الخدمات المتعلقة بالبنى التحتیة المدنیة لفترات طویلة والتسبب بأضرار قیمتها ملیارات الدولارات؛ وأخیراً إمکان الارتقاء فی فعالیته إلى حد السلاح غیر التقلیدی من خلال استهداف منشآت غیر تقلیدیة، بتروکیمیائیة أو نوویة.
بهذا المعنى، تحولت صواریخ المقاومة الدقیقة إلى الرد النقیض على التفوق الإسرائیلی الجوی، لجهة أن استخدامها یمنح المقاومة القدرة على فعل بما یقوم به سلاح الجو، أی استهداف أی نقطة داخل العمق الإسرائیلی، لکن من دون طائرات.
لکن ثمة إضافة، هی أن حساسیة إسرائیل لتهدید السلاح الدقیق وأضراره حساسیة مضاعفة قیاساً إلى دول أخرى. فمن جهة، هی «دولة» حدیثة ذات بنى تحتیة حیویة متطورة، ومن جهة أخرى، مساحتها الجغرافیة محدودة وتفتقر إلى العمق الآمن، فیما بناها التحتیة تنحو إلى المرکزیة وقلة الوفرة. على سبیل المثال، وفقاً لبحث نشره معهد أبحاث الأمن القومی فی إسرائیل، یتبین أن 28 فی المئة من مجمل الطاقة الکهربائیة المنتجة فی إسرائیل، والبالغة نحو 18 ألف میغا وات، یجری إنتاجها فی معملین فقط، فیما یتوزع إنتاج 51 فی المئة منها على ستة معامل أخرى. یعنی ذلک أن تهدیداً یتضمن عدداً قلیلاً من الصواریخ الدقیقة تتمکن من اختراق الطبقة الدفاعیة الاعتراضیة وتصیب هذه المعامل یمکن أن یحدث کارثة خدماتیة واقتصادیة لا سابق لها. وبحسب البحث نفسه، فإن الصورة مشابهة أیضاً فی ما یتعلق بمنظومات حیویة أخرى، مثل منظومة إدارة الکهرباء القطریة، منشآت إنتاج ونقل الغاز الطبیعی فی البحر وعلى الساحل، منشآت تحلیة المیاه (خمس منشآت فقط تزود إسرائیل بنصف میاه الشفة التی تستهلکها)، المنشآت البتروکیمائیة وغیرها. طبعاً من البدیهی أن نضیف إلى ذلک المرافق الأساسیة المعدودة مثل مطار بن غوریون أو مرافئ حیفا وأسدود وإیلات لنصبح أمام تهدید یحاکی شبه انهیار فی بیئة هشة لم تعتد تحدیات کارثیة کهذه.
ثمة معضلة إسرائیلیة أخرى فی هذا السیاق. لدى قادة العدو رأی متبلور یجری التصریح به مواربةً بین الحین والآخر، بأن خاصیة الدقة فی صواریخ حزب الله من شأنها أن ترحل مسألة الجبهة الداخلیة ببعدها المدنی إلى المرتبة الثانیة فی سلّم الأولویات قیاساً إلى أهمیة وتأثیر الأهداف ذات الطابع العسکری حال استهدافها خلال الحرب. یعنی ذلک أن أولویة الحمایة التی یُفترض أن تؤمنها منظومات الاعتراض الدفاعی (القبة الحدیدیة وغیرها) ستکون للمنشآت العسکریة الضلیعة بالجهد القتالی، وسیکون ذلک على حساب کشف المدنیین أمام الهجمات الصاروخیة، مع ما یعنیه ذلک من تنامی حدة النقمة الشعبیة على الحکومة وانعکاس ذلک فی إدارتها للحرب.
یصبح مفهوماً والحال هذه أن التهدید الصاروخی الدقیق، مقارنة مع الصاروخی العشوائی، هو فی الموازین الإسرائیلیة تهدید لا یُحتمل. فهو یمنح المقاومة مستوى نوعیاً من التهدید، معطوفاً على التهدید الاستنزافی الکمی الذی یشکله الاستهداف العشوائی. وهذا التهدید النوعی لیس من شأنه فقط أن یثقل حسابات الارتداع الإسرائیلی عن الحرب، وإنما أیضاً أن یشکل محدداً أساسیاً فی إدارتها من حیث الکثافة والوتیرة والمدى، ودافعاً قویاً لتقصیر أمدها بقدر ما یکون الأمر متاحاً من الناحیة العملیة.
بالتالی یصبح مفهوماً أیضاً بداهة أن تخرج إسرائیل عن طورها فی مساعیها للحؤول دون امتلاک المقاومة لهذا السلاح، وبداهة أن تسعى الأخیرة إلى امتلاکه بالرغم من کل شیء. «قضی الأمر»، صرّح الأمین العام لحزب الله، السید حسن نصر الله، قبل أشهر فی سیاق تطرقه الى هذا الاستحقاق. یُفهم من ذلک أن حیازة المقاومة للصواریخ الدقیقة تجاوزت مرحلة أن یؤثر فیها أی جهد إسرائیلی عملانی أو سیاسی. لننتظر فقط وصول تل أبیب إلى هذه النتیجة، فهی عوّدتنا أن تصل متأخرة، لکنها ستصل. حصل ذلک من قبل مع أمداء الصواریخ وأنواعها وأعدادها.

 

جریدة الأخبار اللبنانیة

قناة العالم

وکالة أنباء فارس

Parameter:414120!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)