|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1442/03/14]

تقدیر استراتیجی التطبیع السودانی - الإسرائیلی وأثره على القضیة الفلسطینیة  

ینشر المرکز الفلسطینی للإعلام، ملخصا لتقدیر استراتیجی بعنوان "التطبیع السودانی - الإسرائیلی وأثره على القضیة الفلسطینیة"، کما ینشر التقدیر کاملا کما ورد:

تقدیر استراتیجی التطبیع السودانی - الإسرائیلی وأثره على القضیة الفلسطینیة

بیروت - المرکز الفلسطینی للإعلام

تاریخ النشر : الجمعة 30/أکتوبر/2020 م 

ینشر المرکز الفلسطینی للإعلام، ملخصا لتقدیر استراتیجی بعنوان "التطبیع السودانی - الإسرائیلی وأثره على القضیة الفلسطینیة"، کما ینشر التقدیر کاملا کما ورد:

التقدیر من انتاج مرکز الزیتونة للدراسات والاستشارات.


ملخص:

کانت القضیة الفلسطینیة أحد الخطوط الرئیسیة فی السیاسة الخارجیة السودانیة، ولم تحظَ بوضع الأولویة التی کانت تُعطَى لدول الجوار وللعلاقات العربیة والدولیة بشکل عام، وتحدیداً مع الولایات المتحدة، والصین، والدول الخلیجیة؛ إلا أن سیاسة الإسناد التی اتبعتها الحکومات السودانیة المتعاقبة، جعلت السودان یشارک فی محطات مهمة فی تاریخ الثورة الفلسطینیة، وکان ذلک من خلال دول أخرى ولا سیّما مصر. وفی فترات مختلفة کان السودان یبادر ببعض المواقف تحت بند الدفاع عن النفس، نظراً للاستهدافات الإسرائیلیة المتکررة للسیادة السودانیة، ودعمها العالی للحرکات المسلحة فی جنوب السودان وغربه.

الأزمة الاقتصادیة الطاحنة فی السودان، والعقوبات الأمریکیة القاسیة، جعلت النظام السیاسی الجدید الهش یسعى مضطراً للخروج منها عبر بوابة التطبیع مع الکیان الإسرائیلی. ومع ذلک، یواجه مسار التطبیع عقبات کبیرة بسبب المعارضة الشعبیة الواسعة وحتى من داخل المکوِّن المدنی فی الحکم الانتقالی، کما أن المؤسسات الدستوریة لم تکتمل فی السودان؛ وهو ما یجعل التطبیع جزئیاً، وخاضعاً للتدرج بناء على استجابة النظام السودانی للشروط الأمریکیة الإسرائیلیة.

لقراءة التقدیر کاملا یرجى النقر هنا

أولاً: موقع السودان فی القضیة الفلسطینیة:

یمکن توصیف موقع السودان فی خریطة القضیة الفلسطینیة أنها ساحة إسناد خارجی، وعادةً ما تکون مساندتها من خلال دولة أخرى وسیطة بسبب الفاصل الجغرافی البری عن فلسطین والمتمثل فی مصر، والفاصل البحری للمیاه الإقلیمیة المصریة عن الساحل الفلسطینی الجنوبی على البحر الأحمر. وقد تنوّع هذا الإسناد من الإسناد السیاسی، والدبلوماسی، إلى الإسناد العسکری، والإسناد الأمنی، فیما یعدّ الإسناد المالیّ محدوداً بسبب الفقر الاقتصادی؛ وهناک مجالات إسناد أخرى مهمة، تمثّلت فی الإسناد التعلیمی؛ من خلال منح فرص التعلیم الجامعی وفوق الجامعی لمئات الفلسطینیین سنویاً فی حقب مختلفة، وهناک إسناد المأوى حیث استقبلت السودان موجات بشریة فلسطینیة صغیرة عسکریة ومدنیة فی فترات مختلفة.

ودخلت السودان خطّ الإسناد المباشر دون وسیط عبر منظومة التأهیل والتدریب للمقاومة الفلسطینیة، وعبر تهریب السلاح لها بحراً وبراً عبر عصابات محلیة قبلیة فی مراحل مختلفة من عمر السودان بعد حرب 1967.

ثانیاً: أطراف العلاقة الفلسطینیة مع السودان:

فتح السودان أبوابه للأطراف الفلسطینیة بتمثیل رسمی بمستویات مختلفة، فقد اعترف بشرعیة منظمة التحریر الفلسطینیة وسلطتها بعد اتفاقیة أوسلو، إذ توجد سفارة فلسطینیة قدیمة فی السودان، کما سمح للمقاومة الفلسطینیة أن تفتح مکاتب لها عبر واجهات إعلامیة أو شعبیة أو مؤسسات بحثیة، وفق ضوابط متغیرة لا تستند إلى فلسفة واحدة نظراً للضغوط التی تمارس على السودان ومدى الاستجابة لها، فقد أغلقت هذه المکاتب مراراً بشکل نهائی أو جزئی، وانتعشت هذه العلاقة فی بعض المراحل وتطورت إلى دعم سیاسی، وعسکری، بینما ساءت جداً فی مراحل أخرى ولا سیّما فی الأربعة أعوام الأخیرة من عمر نظام الإنقاذ، برئاسة المشیر عمر حسن البشیر.

ثالثاً: موقف نظام الإنقاذ من التطبیع:

بقی السودان مصنّفاً ضمن الدول المحسوبة على محور المقاومة طوال حکم الإنقاذ، ورفض التطبیع علناً فی محطات عدیدة من عمر الإنقاذ، ومع ذلک فقد أخذ ملف التطبیع یُطرح من البعض فی السنوات الأخیرة من عمر نظام البشیر. وسواء تعلَّق رفض النظام لذلک بأسباب مبدئیة أم سیاسیة، فإن التقدیرات کانت تشیر إلى أنه لا فائدة ترجى من التطبیع، وأنه سیتحول إلى عبء کبیر لن یحتمله السودان الذی یعانی من استنزاف أمنی واقتصادی کبیر، خصوصاً أن الاستراتیجیة الإسرائیلیة تصنّف السودان عدواً استراتیجیاً بسبب موقعه الجغرافی وعلاقته بمصر، وأن السلوک الإسرائیلی یمتاز بالعداء الشدید من خلال دعم حرکات التمرد، وتحریض اللوبی الیهودی الأمریکی الدائم على السودان.

رابعاً: موقع السودان فی الاستراتیجیة الإسرائیلیة:

منذ بدایة تشکیل الاستراتیجیة الإسرائیلیة فی عهد رئیس الوزراء الإسرائیلی الأسبق دیفید بن جوریون David Ben-Gurion، أصبح السودان محل استهداف إسرائیلی نظراً لکونه فی العمق الاستراتیجی الجنوبی لمصر، وکان الاتجاه دائماً صوب تفکیک العلاقة مع مصر، ودعم الحروب الأهلیة، وتمزیق السودان إلى دول وأقالیم متنازعة، وجعل السودان بؤرة توتر وقلق مصری دائم، وإضعاف السودان ومنعه من التحول إلى دولة مؤثرة أو مرکزیة أو محوریة فی محیطها الإفریقی.

بعد تطور العلاقة المصریة الإسرائیلیة فی عهد الرئیس عبد الفتاح السیسی، تغیّرت الاستراتیجیة الإسرائیلیة مؤقتاً نحو جعل السودان منطقة جذب مصریة جنوبیة، تتجه إلیها حرکة الهجرة والعمل إذا تعرضت مصر لأی انهیار سیاسی أو کارثة عامة لمنع الاتجاه صوب الشرق، کما هو حاصل فی أکثر التجارب التاریخیة السابقة، کما یتاح للسودان أیضاً أن یکون قادراً على امتصاص حرکة النزوح والهجرة فی حال انهیار الدولة الإثیوبیة ذات الکثافة السکانیة العالیة؛ حیث استسهل الإثیوبیون الهجرة إلى “إسرائیل” الأقرب إلیهم من أوروبا والأقل کلفة فی الهجرة غیر الشرعیة، ویمکنهم الادعاء أنهم یهود فلاشا Falash Mura. وهناک سبب ثالث یفترض أن السودان قادر على استیعاب الحرکات الإفریقیة، الموصوفة بالتطرف القادمة من وسط إفریقیا وغربها، والتی تمتاز بمرونة الحرکة، وسرعة الانتقال، وسهولة الاختراق من جهات معادیة لـ”إسرائیل” ومصر الحلیفة لها، لا سیّما أن هذه الحرکات تتحرک فی الصحراء، والخلاء الفسیح، وفق منظومة حمایة قَبَلیة قویة بعیداً عن نفوذ الدول الإفریقیة فیها.

وهذه الاستراتیجیة الجدیدة ما تزال محل نقاش متقدم، وهناک ربط لهذه الاستراتیجیة یشترط بأن یتحول السودان إلى مرکز ثقل استراتیجی أمریکی؛ من خلال إنشاء قاعدة عسکریة أمریکیة استراتیجیة فی شرق السودان على البحر الأحمر، تهدف للتدخل السریع فی إفریقیا والشرق الأوسط.

خامساً: مبررات التطبیع لدى السودان:

تتسم السیاسة السودانیة الانتقالیة بعد انهیار نظام الرئیس عمر البشیر بالسیولة الشدیدة وتنازع أطراف الوثیقة الدستوریة بین المکونین العسکری والمدنی، وتعدد منابر التأثیر والتفکیر لدى المکون المدنی وکثرة الخلافات داخله، لأنه کان ائتلافاً أفقیاً عریضاً اتفق على هدف مشترک واحد وهو إسقاط النظام وهو ما تمّ بدرجة کبیرة. وهذا ما جعل السیاسة السودانیة هشة جداً تبحث عن الدعم من محیطها الإقلیمی والدولی عبر الفرقاء.

وأکبر التحدیات التی تواجه المرحلة الانتقالیة هی:
1. تحدی الاقتصاد وتراجع قدرة الدولة على توفیر احتیاجات الشعب الأساسیة والضروریات، من الوقود والدقیق والدواء والخدمات الأساسیة.
2. تحدی العقوبات الأمریکیة، بمستویاتها التنفیذیة والتشریعیة، وما ترتب علیها من عزلة دولیة واقتصادیة وانهیار اقتصادی.
3. تحدی السلام واستقرار النظام الأهلی، ووقف نزیف الحروب الأهلیة، وکثرة الحرکات المسلحة وکثرة ارتباطاتها ومرجعیاتها الخارجیة.
4. تحدی وحدة السودان وإبقائه بعیداً عن شبح التمزیق وانفصال الأقالیم، واحتلال الجیران لبعض أجزاء السودان.
5. تحدی بقاء المؤسسة العسکریة وتماسکها، وعدم السماح بتفکیکها واستبدالها.
6. تحدی المصالحة واستیعاب قوى النظام السابق والإسلامیین، الذین شارکوا فی الثورة السودانیة، وإشراکهم فی التحول السیاسی.

التحدیات التی تواجه المرحلة الانتقالیة وشدة الخلاف بین المُکونین المدنی والعسکری فیها وعدم قدرة أحد الطرفین على حسمها، وتردد الدول الإقلیمیة والکبرى فی الانحیاز لطرف على حساب الآخر، وسوء العلاقات مع الکونجرس الأمریکی Congress، جعلت العلاقة مع “إسرائیل” مدخلاً لتطویر العلاقة الإیجابیة مع الإدارة الأمریکیة وتسریع منظومتها البطیئة، وتمهید العلاقة مع مجلسی النواب والشیوخ الأمریکیین، وترویض اللوبی الیهودی الأمریکی المعادی للسودان فی هذه المؤسسات، بغرض رفع العقوبات الأمریکیة عن السودان وجدولة الدیون والعودة إلى منظومة الاقتصاد العالمی.

یبدو أن المکوِّن العسکری وجزءاً من المکوِّن المدنی سعیا للوصول إلى المدخل الإسرائیلی، وتمکّن المکون العسکری من الوصول أولاً بمبادرة سودانیة عسکریة عبر البوابة الأوغندیة وبعیداً عن الأطراف المتدخلة فی الشأن السودانی. وفُتحت العلاقة أولاً مع الاستخبارات العسکریة الإسرائیلیة ومنها إلى مکتب رئیس الوزراء الإسرائیلی، وبعد نحو أربعة أشهر من المفاوضات والتفاهمات على أسس العلاقة ومحاورها، جرى لقاء علنی بین الفریق عبد الفتاح البرهان رئیس مجلس السیادة السودانی ورئیس الوزراء الإسرائیلی بنیامین نتنیاهو Benjamin Netanyahu فی أوغندا أوائل شباط/ فبرایر 2020، ولم تکن الحکومة السودانیة برئاسة عبد الله حمدوک على اطلاع على هذا اللقاء قبل تسریب الإعلان عنه من المصادر الإسرائیلیة، وهو الأمر الذی أحدث صدمة فی شرکاء الوثیقة الدستوریة، الحاکمین للمرحلة الانتقالیة.

سادساً: مواقف الأطراف السودانیة من إعلان التطبیع:

بدَت المؤسسة العسکریة السودانیة موحدة فی موقفها المؤید من لقاء البرهان – نتنیاهو، لا سیّما أنها قامت بالترویج له فی سیاق مصلحة ملحّة لا خیار آخر فیها، فیما بدَت الأطراف المکونة لقوى إعلان الحریة والتغییر فی تباین واسع؛ إذ أعلنت الأحزاب البعثیة، والناصریة، وحزب الأمة السودانی، والحزب الشیوعی، إضافة للأحزاب الإسلامیة رفضهم لهذا اللقاء وتداعیاته، فیما دعمته أحزاب وحرکات أخرى، وأیدته معظم الحرکات السودانیة المسلحة التی کان معظمها منفتحاً فی العلاقة مع “إسرائیل” سابقاً، ومع أن رئیس الوزراء عبد الله حمدوک یبدو متفهّماً لهذه العلاقة وکان یسعى لاستخدامها سابقاً، إلا أن القوى المعارضة داخل الحریة والتغییر دفعته للحیاد فی هذه القضیة إعلامیاً أمام الشارع السودانی، فیما کان یؤید ذلک بوضوح فی لقاءاته مع الإدارة الأمریکیة التی أظهرت له هذا الموقف فی تصریحات عدیدة لوزیر خارجیتها مایک بومبیو Mike Pompeo، ثم استقر الأمر لدیه ولدى القوى المؤیدة له على تأیید خطوات التطبیع والمشارکة فیها.

سابعاً: مستویات التطبیع القادمة:

یشکل اللقاء العلنی بین البرهان ونتنیاهو حالة تطبیع سیاسی واضحة اخترقت حالة الرفض والمقاطعة السابقة، وشکلت فاصلاً بین المقاطعة والتطبیع، وکسرت حاجز المقاطعة بشکل جریء، وفرضت السؤال التالی: کیف ستتطور هذه العلاقة؟

الجانب العسکری السودانی یتحرک بمیزان لا یکترث للجانب السیاسی کثیراً فیه، إذ إنه یعرف أن هذا الملف فی جانبه السیاسی لیس من صلاحیاته ولا من صلاحیات الحکومة الانتقالیة، وقد تعاملوا معه بمنظار التحدیات الاستراتیجیة ومقدار التعامل معها، ورهَنوا تطویر العلاقة مع “إسرائیل”، بمقدار النجاح فی الالتزام بما تعهدت به “إسرائیل” من تطویر العلاقات السودانیة الأمریکیة، ورفع العقوبات عن السودان، والالتزام الأمریکی بعدم دعم مشروعات تفکیک الدولة والجیش؛ ویرى الجانب العسکری أن المستوى التنسیقی العالی بین الطرفین على مستوى الأجهزة الاستخباریة المختصة والقیادات الأولى فی الملفات المحددة سیکون کافیاً فی هذه المرحلة.

الجانب الإسرائیلی یرى أن الاختراق قد حدث فعلاً، وأن الجهة القویة فی السودان قد اقتنعت بجدوى العلاقة وأهمیتها، وبالتالی فإن تطورها مسألة وقت، ولکن “إسرائیل” تبدو مستعجلة فی زیادة مجالات التعاون التی تمّ التفاهم علیها؛ فی مجال عودة اللاجئین السودانیین، وفتح الأجواء السودانیة أمام الطائرات الإسرائیلیة، عدا الناقل “الوطنی” شرکة العال El Al. کما یرغب نتنیاهو فی استثمار العلاقة انتخابیاً فی أول انتخابات إسرائیلیة قادمة، کما أنه لیس حریصاً أن یجعل ذلک هدیة ثالثة لدونالد ترامب Donald Trump بعد هدیة تطبیع الإمارات والبحرین، وهو ما جعل الولایات المتحدة توافق على فصل مسار التطبیع عن مسار رفع العقوبات بعد التدخل الإسرائیلی الموافِق على ذلک.

الجانب السودانی الرسمی یرى أن التطبیع مسار إجباری اضطر إلیه بعد عزلة دولیة وانسداد الطرق الموصلة إلى رفع العقوبات التی أرهقت السودان على مدار أربعة عقود، بدأت منذ قرار الرئیس الأسبق جعفر نمیری تطبیق الشریعة الإسلامیة أوائل ثمانینیات القرن العشرین، واشتدت مع بدایات حکم ثورة الإنقاذ الوطنی؛ کما أن أطرافاً سودانیة قویة ومؤثرة ترى أن التطبیع الحاصل هو نتیجة ابتزاز أمریکی وانتقاص للسیادة الوطنیة، وأنه لم یکن ثمة حاجة لهذا الربط بعد قیام الثورة السودانیة وإسقاط حکم البشیر، وأن ثمن رفع العقوبات الأمریکیة هو أمر لا علاقة له بالعلاقات الأمریکیة السودانیة، وأن الشعب الفلسطینی یتعرض لمظلمة تاریخیة من الاحتلال الإسرائیلی، ولیس من أخلاق الثورات أن تتعاطف مع الاستعمار، والدیکتاتوریة، والاحتلال، وترسم المصالح معه على حساب شعب شقیق؛ وأن ذلک یُظهر أن العقوبات الأمریکیة کانت سیاسیة بسبب الموقف من “إسرائیل”، وأن رفع العقوبات عن السودان کان لإتاحة الفرصة لـ”إسرائیل” لإقامة علاقات طبیعیة مع السودان، وتمکینها من تعمیق حضورها هناک دون أن تخشى قیود الحظر الأمریکی؛ وأن هذا التطبیع هو انتصار أمریکی إسرائیلی على السودان وتاریخه ومبادئه، وأن القیادة السودانیة الانتقالیة عاجزة عن شرح هذا الإجراء لشعبها ومصارحته بالتفاصیل.

وتبدو فرص نجاحات التطبیع السیاسی ضعیفة فی ظلّ ظروف الحکم الانتقالی، الذی لا یتیح له اتخاذ قرار بهذا الحجم، دون مؤسسات تشریعیة تتحمّل مسؤولیته أمام الشعب، ودون وجود حاضنة شعبیة مؤیدة له؛ حیث ستتحرک القوى الشعبیة المعارضة لهذا القرار ضده، وستضیفه إلى التبریرات العدیدة الداعیة إلى إسقاط هذه الحکومة ورموزها، کما سیتخذ أنصار النظام السابق هذا التطبیع ذریعة لتأکید اتهامهم للحکم الجدید؛ بأنه یعادی الإسلام والعروبة، وأنه مشروع غربیّ مفروض على السودان، وأن التطبیع محاولة لإبقاء النظام الانتقالی حیاً على الرغم من موته اقتصادیاً، وفشله فی إدارة البلاد، وارتهانه للخارج.

ولکن الجانب الأکثر تأثیراً فی إمکانیة نجاح التطبیع فی مراحله الأولى، هو فی قدرة التطبیع على تفکیک الأزمة الاقتصادیة الطاحنة، وتوفیر مستلزمات الحیاة وضروریاتها للمواطن السودانی؛ وفی حال عدم ذلک فإن البیئة العامة التی تقبّلت هذا التطبیع تحت هذا المبرر ستنقلب علیه، وهو ما یبدو الاحتمال الأقوى فی فشل هذا التطبیع نظراً لعمق الأزمة الاقتصادیة فی السودان، وتعاظم الأزمة الاقتصادیة العالمیة بسبب جائحة کورونا، کما أن “إسرائیل” لیس بمقدورها تقدیم منح أو معونات کبیرة للسودان دون مقابل مادی مریح، لا سیّما أن السودان لیس مثل دول خلیجیة غنیة، تجتهد “إسرائیل” فی التطبیع معها، وتعوّل علیها کثیراً للخروج من أزمتها الاقتصادیة هی أیضاً، فیما أن السودان یحتاج إلى رافعات مالیة کبیرة لا تستطیع “إسرائیل” تحمّلها، کما أن الحماسة الأمریکیة والإسرائیلیة للتطبیع مع السودان سیخفِت بریقها بانضمام دول عربیة فقیرة أخرى لمسلسل التطبیع، مما یزید العبء الأمریکی الإسرائیلی، وستتبدل الأولویات بعد مرور زمن قصیر، وسیشعر السودان بالغبن نتیجة الاهتمام الإسرائیلی بالدول الخلیجیة الغنیة على حسابها.

ومن الجوانب المهمة فی هذا السیاق أن مصر، الجارة القویة للسودان، والتی تعد نفسها صاحبة الولایة المعنویة علیه، وأنها صاحبة القرار الاستراتیجی فی مصیره، لیست سعیدة بهذا التطبیع ولا تعدّه إضافة إیجابیة لها، لا سیّما أن مبررات التطبیع تتعلق بها بالأساس، ومن شأن تطور العلاقة السودانیة الإسرائیلیة أن یکون خصماً على حساب مصر ونفوذها، وإضعافاً لدورها فی السودان، وستعمل مصر على استعادة دورها بسرعة بعد خروج السودان من العقوبات الأمریکیة المفروضة علیه، وستحاول أن تحلَّ محل “إسرائیل” فی التواصل مع الإدارة الأمریکیة بشأن إدارة الملف السودانی مستقبلاً کما کانت سابقاً.

ثامناً: سیناریوهات المستوى التطبیعی یمکن حصرها بالتالی:

1. السیناریو الأول: مستوى التطبیع الجزئی:

بحیث تکون القضایا التی تأسس علیها لقاء البرهان – نتنیاهو هی مضامین العمل الرئیسیة حتى نهایة المرحلة الانتقالیة، وبالتالی لن یکون هناک تطبیع سیاسی کامل، ولا فتح سفارات، ولا تمثیل دیبلوماسی مباشر، وربما سیکون هناک وجود فنی غیر مستقر؛ وقد تلجأ إلیه الحکومة الانتقالیة السودانیة بإعلان الموافقة على التطبیع، وتأخیر المصادقة علیه حتى تأسیس المنظومة التشریعیة.

2. السیناریو الثانی: مستوى التطبیع الکامل:

وهو ما تلحّ علیه الإدارة الأمریکیة وتتطلع إلیه حکومة نتنیاهو، وتضغط واشنطن بقوة للوصول إلى هذا المستوى، وتستند فی ذلک إلى مستوى ابتزاز سیاسی یتعلق بتعدد مستویات العقوبات الأمریکیة، ولا سیّما تلک المتعلقة بعقوبات الکونجرس؛ بحیث یتم رفع بعض العقوبات وإبقاء بعضها لیتم إلغاؤها تدریجیاً بحسب التجاوب السودانی.

3. السیناریو الثالث: تجمید مشروع التطبیع:

ما تزال قوى أساسیة فی قوى إعلان الحریة والتغییر وأحزاب رئیسیة ترفض التطبیع، وتعدّ ما جرى تجاوزاً غیر مقبول من طرف الحکومة والقیادة العسکریة، وأنهم لا یملکون تفویضاً من الشعب ولا من اللجنة المرکزیة لقوى إعلان الحریة والتغییر؛ کما أن القوى الإسلامیة وحلفاءها التی نشطت مؤخراً على خلفیة التدهور الاقتصادی، ستعمل على تصعید خطابها المعارض، وتحشید الشارع ضدّ هذا التطبیع.

وعند الترجیح بین الاحتمالات فإنه یصعب الحدیث عن تطبیع کامل خصوصاً فی المرحلة الانتقالیة، وعدم اکتمال المؤسسات الدستوریة فی السودان، ولذلک فغالباً ما یکون التطبیع جزئیاً. وهو تطبیعٌ معرضٌ للتجمید سواء بسبب تصاعد المعارضة ضده، أم بسبب ضعف نتائجه الاقتصادیة على حیاة السودانیین.

تاسعاً: أثر التطبیع على القضیة الفلسطینیة:

یمکن القول إن السودان فی وضعه الانتقالی الراهن قد خرج من دائرة التأثیر فی القضیة الفلسطینیة بعد أن کان یلعب دوراً مهماً فیها، إذ کان یرفع من مستوى حضورها السیاسی والأمنی فی المربع الإقلیمی. وهذا الخروج استمرار للوضع السابق الذی تراجعت فیه العلاقة مع الجهات الفلسطینیة الرسمیة والمعارضة إلى مستویات عادیة جداً، وربما إلى مستویات ضارة أمنیاً لرغبته فی توثیق علاقته الأمنیة الأمریکیة؛ ولکن الأطراف الفلسطینیة المختلفة ستنظر إلى هذا التطبیع بمنظار الغضب لأنه جاء فی وقت تحلّلت فیه دول عربیة مهمة من المبادرة العربیة التی ترهن التطبیع بإقامة الدولة الفلسطینیة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئین؛ وهذا یعنی أن السلطة الفلسطینیة خسرت موقفاً عربیاً جدیداً دون أن ینعکس ذلک إیجاباً على مطالبها التی صاغتها الدول العربیة؛ کما أن المقاومة الفلسطینیة خسرت ساحة إسناد مهمة مما سیدفعها إلى السعی لتعویض هذه الخسارة، والبحث عن مداخل جدیدة لاحتیاجاتها التی لن تمر بالضرورة عبر التنسیقات شبه الرسمیة کما کان یحدث سابقاً.

ویبدو أن الجهات الإسرائیلیة ستکون حریصة على الاستفادة من الخبرة السودانیة فی تعاملها مع المقاومة الفلسطینیة وشبکة علاقاتها معها، ومن الممکن أن تتحول هذه العلاقة إلى فرصة للسودان لیعید تشبیک علاقته مع الفلسطینیین بموافقة إسرائیلیة أمریکیة، بحیث یلعب السودان دوراً تقریبیاً أو قناة خلفیة مفتوحة، بعیداً عن التدخلات المصریة المتمسّکة بهذا الملف بتحکّم شدید، ویمکن لذلک أن یؤدی لنمو العلاقة بشکل محدود مع بعض أطراف المقاومة الفلسطینیة التی تحتاج لأبواب خلفیة أخرى للتواصل غیر المسیّس مع الأمریکیین والإسرائیلیین فی بعض الملفات البطیئة أو المتوقفة.

وفی العموم، فإن خروج السودان من مشهد الإسناد والدعم للقضیة الفلسطینیة سیؤدی إلى ضرر معنوی کبیر لهذه القضیة، ولکنه لن یکون ذا تأثیر کبیر علیها، إذ لم تتحول العلاقة مع الفلسطینیین إلى تحالف شامل قوی على الرغم من قوة علاقات الصداقة والتعاون، کما أن مستوى التعاون کان یتوقف على مستوى الضغوط الأمریکیة على السودان وتفاعلاتها، وکثیراً ما تعرضت هذه العلاقة بین السودان والمقاومة الفلسطینیة للاهتزاز والانقطاع، ولکنها کانت تزدهر عقب أیّ استهداف إسرائیلی للسودان أو حملة إسرائیلیة عسکریة قویة على فلسطین، ثمّ ما تلبث أن تعود لمستویاتها العادیة.

ولیس وارداً أن تتغیر العلاقة السیاسیة مع السلطة الفلسطینیة بسبب هذا التطبیع، إذ سیستمر التأکید السودانی أن هذا التطبیع لن یؤثر على الموقف المبدئی للسودان من حقوق الشعب الفلسطینی والدعوة لتنفیذ قرارات الأمم المتحدة، وهی اللغة التی یشترک فیها جمیع من بادر للتطبیع.

عاشراً: توصیات:

التطبیع السودانی لم یکن مطلباً أو اختیاراً وإنما کان اضطراراً واستجابة للضغوط، أو ربما کان توظیفاً لبرامج خارجیة فی سیاق التغییر الثوریّ، ترافق معه ابتزاز أمریکی؛ وما تزال قوى رئیسیة فی الحکم والمعارضة ترفض التطبیع وتعدّه انتقاصاً من السیادة الوطنیة وأنه یجب التخلص منه. مما یعنی أن ثمة فرصة للعمل الفلسطینی لاستمرار التواصل مع القوى السودانیة فی کل المستویات، وتثبیت بعض المصالح القائمة فی السودان، واستعادة بعض ما فُقِد خلال السنوات السابقة، وإعادة التواصل مع الأحزاب والقوى الشعبیة وإسناد أدوارها فی نصرة القضیة الفلسطینیة، ومواجهة التطبیع إعلامیاً وسیاسیاً وإظهار مخاطره على السودان فی المدى المتوسط والبعید، والتحذیر من نشاطات القوى التطبیعیة وأجنداتها الخارجیة، والتوضیح أن تطور العلاقات السودانیة الأمریکیة لا یعنی بالضرورة تورط السودان فی التطبیع ومخاطره وأعبائه الثقیلة على الأمن القومی السودانی ومصالح السودان الاستراتیجیة؛ مع الأخذ بعین الاعتبار أن السودان ما زال تحت سیاط العقوبات الأمریکیة التشریعیة وما زال مشواره طویلاً فی الرفع الکامل لهذه العقوبات.

 


المرکز الفلسطینی للإعلام

Parameter:464755!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)