|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/12/14]

عطوان: الدهاء الإیرانی یکرس معادلةً جدیدةً فی المنطقة  

عطوان: الدهاء الإیرانی یکرس معادلةً جدیدةً فی المنطقة

 الخمیس ١٥ أغسطس ٢٠١٩

الإفراج عن الناقلة الإیرانیّة “غریس 1” التی کانت مُحتجزةً من قبَل سُلطات جبل طارق مُنذ الرابع من تموز (یولیو) الماضی، لم یکُن انتصارًا کبیرًا للقِیادة الإیرانیّة التی أدارت الأزمة بقوّةٍ وصلابةٍ ودهاء، وإنّما أیضًا هزیمةً للولایات المتحدة الأمریکیّة التی حاولت عرقلة هذا الإفراج عندما تقدّمت بطلبٍ رسمیٍّ لمُصادرتها، وقُوبِل طلبها هذا بالاحتقار والتّجاهل من أقرب حُلفائها.

العالم - مقالات 

جون بولتون، مُستشار الرئیس الأمریکی دونالد ترامب للأمن القومی زار لندن قبل ثلاثة أیّام، والتقى رئیس الوزراء بوریس جونسون، ومارس ضُغوطًا کبیرةً لمنع الإفراج عن السفینة، حفاظًا على ماء وجه رئیسه وإدارته، ولکن هذه الجُهود باءت بالفشل، لأنّ الحُکومة البریطانیّة أرادت النّأی بنفسها، ولو جُزئیًّا، عن هذه السیاسات التصادمیّة الأمریکیّة الحمقاء والمُتهوّرة، والانحیاز لمصالحها فی المِنطقة، وتسریع الإفراج عن ناقلتها المُحتجزة فی میناء بندر عباس الإیرانی، وهذا عین العقل والحِکمة.

احتجاز الناقلة الإیرانیّة وبتحریضٍ من إدارة ترامب، ولأسبابٍ استفزازیّةٍ غیر مُقنعة، کان خطیئةً کُبرى ارتکبتها الحُکومة البریطانیّة عکَست “سوء تقدیر” رد الفِعل الإیرانی، عندما اعتقدت أنّ السلطات الإیرانیّة ستأتی إلیها راکعةً مُتذلّلةً مُعتذرةً، وطالبةً الصّفح والغُفران، وعلى رأی المَثل العربی الذی یقول “الذی لا یعرِف الصقر یشویه”.

کان واضحًا، ومُنذ اللّحظة الأولى التی حذّر فیها السیّد علی خامنئی المُرشد الأعلى للثورة الإیرانیّة من أنّ استمرار بریطانیا فی احتجاز هذه النّاقلة سیُقابل برد فعل مُماثل، إن لم یکُن أکبر، وبعد مُهلةٍ استمرّت أسبوعین، لم یتم خلالها الاستجابة لتحذیراته، أثبت الرّجل مرّةً أخرى أنّه یقول ویفعل، وأوعز للحرس الثوری الإیرانی لتنفیذ تهدیداته، وبادر فورًا فی اقتیاد السّفینة البریطانیّة من وسط أربع بوارج حربیّة أمریکیّة مِثل “النّعجة” وصوّر المشهد کاملًا، ونشره على وسائل التواصل الاجتماعی لیراه العالم بأسره، فی خطوةِ تحدٍّ غیر مسبوقة.

السلطات البریطانیّة أخطأت مرّتین، الأولى عندما امتثلت للأوامر الأمریکیّة، واحتجزت النّاقلة، والثانیة عندما لم تُصحّح هذا الخطأ، ولم تأخُذ التّهدیدات الإیرانیّة بالجدیّة المُتوقّعة، ولکنّها فی اعتقادنا صحّحت هذا الخَطأ بسرعةٍ عندما رفَضت التّجاوب مع جون بولتون، وطلب حُکومته مُصادرة النّاقلة، وأظهرت استقلالیّةً لافتةً عن هذه الإدارة الأمریکیّة المُرتبکة والغبیّة التی باتت “دُمیةً” فی أیدی اللوبیّات الإسرائیلیّة.

قُلناها ونُکرّرها، إنُ ایران تعیش حالیًّا “إرادة استشهادیّة” تجسّدت بشکلٍ واضحٍ عندما أوعزت لخلایاها الثوریّة بإعطاب سِت ناقلات نفط فی بحر عُمان ( حسب رای الکاتب )، وأسقطت طائرة تجسّس أمریکیّة مُسیّرة اخترقت أجواءها فوق مضیق هرمز ببضعة أمتار، ونفّذت تعهّداتها بالعودة إلى تخصیب الیورانیوم بمُعدّلاتٍ أکبر، وتفعیل مفاعل آراک النووی مُجدّدًا فور انتهاء مُهلة الشّهرین التی أعطتها لأوروبا لتخفیف الحِصار الاقتصادی الأمریکی المَفروض علیها.

تشابه البقر على الرئیس الأمریکی ترامب عندما اعتقد أنّ إیران ستتصرّف مِثل حُلفائه العرب فی الخلیج ( الفارسی) ، أیّ سیرضخون لکُل طلباته، وینفّذون کُل إملاءاته، ویفتحون خزائنهم على مِصراعیها لابتزازاته المالیّة دون نقاش، وکم کان مُخطئًا فی حِساباته.

النّاقلات الإیرانیّة ستتجوّل فی المضائق العالمیّة بما فیها مضیق جبل طارق نفسه بکُل حریّة ودلال بعد الیوم، لأنّه لن تجرؤ أیّ دولة على احتجازها، بِما فی ذلک الولایات المتحدة، لأنّها ستدرک أنّ الرّد سیکون جاهزًا، تمامًا مثلما حصل لبریطانیا والبرازیل، وربّما یُفید التّذکیر بأنّ الأخیرة حاولت المَس بسُفنٍ إیرانیّةٍ وکرامتها الوطنیّة عندما رضخت لطلبٍ أمریکیٍّ برفض تزویدها بالوقود بعد إفراغها حُمولتها، فجاء الرّد الإیرانی مُوجِعًا بوقف کل الواردات البرازیلیّة من اللّحوم وغیرها.

إدارة الرئیس ترامب خسِرَت الجَوَلات الأولى من الحرب فی الخلیج (الفارسی) عسکریًّا ومعنویًّا، ووجدت نفسها عاجزةً عن الانتقام لإسقاط طائرتها، وفاقدةً لمصداقیّتها عندما ادّعت أنّها أسقطت طائرةً إیرانیّةً مُسیّرةً وستَبُث “فیدیو” یُؤکّد هذه الحقیقة، وننتظر هذا الفیدیو مُنذ شهر، ویبدو أنّ انتظارنا سیطول.

سیاسة العین بالعین.. والناقلة بالناقلة، هی اللغة الوحیدة التی تفهمها إدارة الرئیس ترامب وحلفاؤها، والإیرانیّون لن یرضخوا للحِصار ویموتوا جوعًا، ولن یتخلّوا بالتّالی عن حقّهم المشروع فی العیش الکریم وامتِلاک أسباب القوّة للدّفاع عن أنفسهم فی مُواجهة هذا العدوان الاستکباری الأمریکی الصّریح.

بریطانیا رضخت للتّهدیدات وأدرکت جدّیتها وأفرجت عن الناقلة الإیرانیّة وحسنًا فعلت، ونحنُ على ثقةٍ أنّ إدارة ترامب سترضخ فی نهایة المطاف، وتعود إلى الاتفاق النووی، وترفع العُقوبات الاقتصادیّة الظّالمة، لأنّ الخِیارات الاخرى مُدمّرة وباهظة التّکالیف لها ولحُلفائها وقواعدها فی المِنطقة، بل وللعالم بأسره.

ترامب لا یعرف شیئًا اسمه الکرامة الوطنیّة، ولا یعرف أیضًا أنّ هُناک شعوبًا تُضحّی بأرواحها ودِمائها دفاعًا عنها، وعلى رأسها الشّعب الإیرانی وحُلفائه فی محور المُقاومة.

هذا الانتصار الإیرانی فی واقعة النّاقلة “غریس 1” هی رسالة لـ"إسرائیل"، وحُلفائها الجُدد من المُطبّعین العرب، نأمل أن یستوعبوا مضمونها، وکُل حرف فیها.

إنّه انتصار لمحور المُقاومة، وبدایة فجر جدید للأُمّة، ونقطة النهایة لعصر الهزائم والهیمنة الأمریکیّة الإسرائیلیّة، والقادِم أعظم.. والأیّام بیننا.

 

عبد الباری عطوان / رای الیوم

 

قناة العالم

Parameter:425707!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)