|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/11/08]

خطر المطبّعین التجّار على قضیتنا ونحن أمّة مقاوِمة  

خطر المطبّعین التجّار على قضیتنا ونحن أمّة مقاوِمة

الأربعاء , 10 یولیو , 2019

فایز رشید

التطبیع لیس خطوة سیاسیة فقط، وإنما هو خطوة اقتصادیة تجاریة أیضا! والدول التی تقوم بالتطبیع مع إسرائیل، سواء عربیة أو إسلامیة، فإنما تطمح إلى إرضاء السید الأمریکی، فالطریق إلى واشنطن یمرّ من تل أبیب، کما تهدف فی جزء من تطبیعها إلى المحافظة على بقائها فی الحکم، فالرضى الإسرائیلی أصبح مطلوبا أیضا، والدولة الصهیونیة ستعمل ما بوسعها لیظل النظام العربی أو الإسلامی من أصدقائها على سدّة الحکم.
أما المطبعون، سواء أکانوا شرکات أو مؤسسات أو أفرادا فلسطینیین أو عربا أو إسلامیین، فإنما تحرکهم أطماعهم وعشقهم للمال ولو على حساب القضیة الوطنیة ومصلحة الوطن. البضائع والمنتجات الإسرائیلیة تغزو الأسواق العربیة (حتى منتجات المستوطنات التی تقاطعها غالبیة دول العالم). لقد انتبهت دولة الکیان الصهیونی، فأخذت أحیانا تدمغ صنادیق المنتوجات على أنها بضائع فلسطینیة المنشأ، وفی معظم الحالات تحرص على أن یعرف المستهلک العربی بأنه یستهلک منتجا إسرائیلیا. ومن یقوم باستیراد هذه المنتجات الصهیونیة، معروفون وقد نشرت قوائم بأسماء البعض منهم، وقد افتتحوا شرکات فی العواصم العربیة یوزعون الخضروات واللحوم الإسرائیلیة بلا خجل أو محاسبة من ضمیر! نعم، لقد اغتنوا مالیا، لکن لعنات الوطن تلاحقهم، وسیظلون منبوذین حتى أحفاد الأحفاد.
ومن أجل توضیح خطر المطبعین، الذین هم فی حقیقة أمرهم یحاولون مساعدة إسرائیل، ویضرون بحرکة مقاطعتها التی تتعاظم فی العالم، فالمقاطعة تقلق إسرائیل. نعم، لقد خسرت المستوطنات الإسرائیلیة فی عام 2017 وفقا للتقدیرات الأولیة، حوالی 28.5% من تجارتها مع الدول الأوروبیة وغیرها. نعم، لیس أدل على مدى تأثیر المقاطعة على إسرائیل من تصریحات المسؤولین الإسرائیلیین أنفسهم، فقد صرّح وزیر المالیة الإسرائیلی فی حینه موشیه کحلون، فی خطابه فی إحدى جلسات مؤتمر هرتزیلیا الـ17: «إن المقاطعة وبخاصة الأوروبیة منها، تؤثر علینا بشکل کبیر. الاحتمالیة کبیرة لفقدان 9800 عامل وظائفهم فی العام الحالی، التصدیر لأوروبا عام 2016 خسر نحو 30 ملیار شیکل، والقطاع الصناعی خسر 15 ملیار شیکل». کما أشارت دراسات متعددة إحداها داخلیة صادرة عن الحکومة الإسرائیلیة نفسها، قدرت خسائر الصادرات بنحو ملیار ونصف الملیار دولار سنویا، وأخرى لمعهد راند قدّر فیها خسائر إسرائیل بنحو 47 ملیار دولار على مدى عشر سنوات. شیمعون بیریز فی حیاته، وفی اجتماع مع ممثلی إسرائیل فی الخارج، قال: «المقاطعة الاقتصادیة لإسرائیل أخطر علیها من التهدیدات الأمنیة». بدورها، فإن تسیبی لیفنی کانت قد ردّت على تقریر انتقد تصریحات سابقة لها عن أثر المقاطعة على إسرائیل (التقریر حاول تهمیش تأثیر المقاطعة) قائلة «إن من حق مواطنی إسرائیل معرفة الحقیقة، وألا یستمعوا إلى الکذابین الذین یمارسون التضلیل علیهم، لأنهم یخدمون من لا یریدون التسویة السیاسیة.. المقاطعة تؤثر علینا کثیرا». وبالفعل، إذا أراد أحد إثارة غضب إسرائیل فیکفیه نطق الأحرف الثلاثة «بی دی أس» کما یقول المعلق السیاسی الفرنسی توماس کانتالوب. أما دانییل شیک سفیر إسرائیل السابق فی باریس فیقول: «إن أعظم إنجاز لـ»بی دی أس» هو جعل هذا البلد- إسرائیل- مجنونا».
التطبیع مع محتل الأرض ومغتصب إرادة شعب فعل إجرامی کبیر، ویضرب مبدأ مقاومة أساسیا، فمقاطعة الشعوب لمحتلی أراضیها تجربة أصیلة فی التاریخ، ومن أهمها: مقاطعة الشعب الأیرلندی للسیطرة الإنکلیزیة علیه فی القرن التاسع عشر، مقاطعة الشعب الصینی للبضائع الأمریکیة عام 1906 احتجاجا على تقیید أمریکا لهجرة الصینیین إلیها، مقاطعة الهند (بتعلیمات من المهاتما غاندی) للبضائع البریطانیة بین الأعوام 1906- 1911 وأُطلق علیها اسم «حرکة «سوادیشی»، مقاطعة الشعب المصری ضد الإنکلیز عام 1921 بتعلیمات من سعد زغلول، مقاطعة ألمانیا النازیة لبضائع الشرکات التابعة للمنظمة الصهیونیة عام 1933، ومقاطعة الیهود فی الولایات المتحدة (احتجاجا على ذلک) للبضائع الألمانیة، تجربة المقاطعة العالمیة لنظام الفصل العنصری فی جنوب افریقیا، والآن تجربة المقاطعة العربیة لإسرائیل.

«إذا أراد أحد إثارة غضب إسرائیل فیکفیه نطق الأحرف الثلاثة (بی دی أس)»

لقد اتخذت إسرائیل سلسلة قرارات بحق أی جهة أو فرد یقوم بمقاطعة إسرائیل، بما فیها منعه من دخولها أو طرده منها، کما جعلت من مهمة محاربة الـ»بی. دی. أس» مهمة رئیسیة لعموم الدولة، وأنشأت قسما خاصا لها فی وزارة الخارجیة والسفارات الإسرائیلیة فی الخارج. کما أن الإدارات الأمریکیة المختلفة اتخذت قرارات فی الکونغرس، تهدف إلى مقاطعة وفرض الحظر على کل الجهات التی تقاطع إسرائیل، واتخذ الرئیس ترامب مؤخرا قرارا بالمساواة بین العداء للسامیة والمعاداة للصهیونیة (بما یعنیه ذلک من خطوات کمقاطعة إسرائیل) عدا عن نشاطات اللوبیات الصهیونیة فی دول العالم، والتیار الصهیو مسیحی الأنجلیکانی، وأصدقاء إسرائیل فی العالم لمحاربة المقاطعة.
إن أول من اکّد على أهمیة التطبیع مع الفلسطینیین والعرب والمسلمین هو أبا إیبان وزیر الخارجیة الإسرائیلی الأسبق، وأحد قادة حزب العمل البارزین، بعد حرب یونیو عام 1967. ویعنی التطبیع بحسب مفهوم أبا إیبان: إقامة علاقات طبیعیة بعیدة عن أجواء الحرب والقتال وفی جو من التعاون والسلام. ویطالب العدو باستمرار فی تطبیع علاقاته مع العرب بدون أن یغیّر من أیدیولوجیته الصهیونیة وأهدافه فی إقامة دولته الکبرى على حساب الأرض والحقوق والثروات العربیة، کما یتعامل مع عملیة التسویة باستخفاف واستعلاء کبیرین، وممارسات إرهابیة واستیطانیة وعنصریة لا مثیل لها فی العالم على الإطلاق. وتسخّر (إسرائیل) التطبیع لإعادة تشکیل العقل العربی وحمله على القبول بالوجود الإسرائیلی کجزء أساسی وشرعی، ومکون رئیسی من مکونات المنطقة، على حساب الوجود والحق الفلسطینی والعربی فیها، کذلک یعنی تبنی الخرافات والأساطیر والمزاعم والأکاذیب الصهیونیة، کما التخلی عن ثوابت النضال العربی، والتشکیک بجدوى التمسک بالهویة القومیة والوحدة العربیة. والتخلی عن مقاومة الاحتلال والاستیطان الصهیونی، ووصف المقاومة المشروعة للشعوب المحتلة بـ»الإرهاب»، کما القبول بالشروط والإملاءات الإسرائیلیة لأی تسویة، سواء مع الفلسطینیین أو العرب. التطبیع یتخذ أشکالا متعددة، سیاسیة، اقتصادیة، اجتماعیة، ثقافیة وغیرها.
إننا کشعب فلسطینی مقاوم على مدى یزید عن مئة عام، نشکّل جزءًا من أمة عربیة مقاومة من المحیط إلى الخلیج. بحکم ظروف احتلال أرضنا على دفعات من قبل المشروع الصهیونی وبمساعدة من سلطات الانتداب (الذی هو فعلیا شکّل احتلالاً) وقفنا مع الثورات التحرریة فی أنحاء الوطن العربی. کنا مع مقاومة الشعب المصری فی التصدی للعدوان الثلاثی الإنکلو فرنسی الصهیونی على مصر. وقفنا مع ثورة الشعب الجزائری البطل فی مقاومته للاحتلال الفرنسی ومحاولات ضم الجزائر إلى فرنسا. ومع الثورة فی جنوب الیمن، ومع أهلنا فی لیبیا فی مقاومة الاستعمار الإیطالی البغیض. وقفنا مع المقاومة العراقیة الشجاعة فی تصدّیها ومقاومتها للاحتلال الأمریکی، الذی حاول أن یجعل من أرض الرافدین (أرض التاریخ الحضاری الإنسانی الخالدة) محمیّة أمریکیة. وقفنا مع لبنان الصامد ومقاومته الوطنیة فی التصدی للاعتداءات الصهیونیة على أرضه. وقفنا ونقف مع سوریا ضد التدخل الأجنبی الغربی فیها، ومحاولات تقسیمها وغیرها من الأقطار العربیة.
وقفنا مع کل الثورات والقوى المقاومة فی العالم العربی وفی آسیا وافریقیا وأمریکا اللاتینیة. لم نهتف لهذا الزعیم أو ذاک، وإنما لوحدة البلدان العربیة، وللحریة والدیمقراطیة والعدالة وحق الشعوب فی اختیار حکامها. لم ننشدّ یوما لطائفة دون أخرى، ولا لفئة دون أخرى، نحن مع وحدة النسیج الاجتماعی الداخلی لکل بلد عربی. ما نقوله لیس کشف حساب للمواقف الشعبیة الفلسطینیة والعربیة، وإنما ردّ على کلّ من یحاول نفی الوجه المقاوم لأمتنا. وعلى الداعین للتطبیع مع إسرائیل، وللرد على من یصفون مقاومة شعبنا وأمتنا بـ «الإرهاب»! وللرد على الکتبة الأعراب، الذین ازداد ترویجهم مؤخرا للأضالیل والأساطیر الروائیة الصهیونیة، وادعاؤهم بـ»الحق الصهیونی فی فلسطین»، وأنه لم تکن هناک یوما دولة للفلسطینیین، وغیر ذلک من الترّهات، وللرد على أسطوانة جرى اختراعها منذ أیام «بأن أصل الفلسطینیین من أوروبا»، لیعلم کل هؤلاء أننا جزء من أمة عربیة واحدة، لم تهن یوما لمستعمر، کانت وستظل أمة مقاومة. وبالعودة إلى خطر المطبعین نورد الحادثة الحقیقیة التالیة: أثناء الاحتلال النازی لمناطق واسعة من الاتحاد السوفییتی فی الحرب الوطنیة العظمى (الحرب العالمیة الثانیة). احتل النازیون قریة بالقرب من موسکو. امرأة من أهل القریة، بعدما عرفت أن الضباط المحتلین یبتاعون بیضا من القریة صباح کل یوم لإفطارهم)، أخذت فی الصباح الباکر من کل یوم تشتری کلّ بیض القریة من الناس وتقوم بتکسیره. عرف المحتلون القصة بعد افتقادهم للبیض عدة أیام، وسألوها بعد اعتقالها عن سبب فعلتها، فأجابت قبل إعدامها برصاص مسدس الضابط المسؤول: «حتى أحرمکم من أکل حتى البیض فی قریتی… خسئتم فلن تذوقوه بعد الیوم بعد أن اشتریت کل الدجاجات التی تبیض، وذبحتها، ووزعت لحمها على الناس فی القرى المجاورة».

کاتب فلسطینی

 


القدس العربی

Parameter:419939!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)