|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/10/04]

رسائل نصر الله تفعل فعلها فی تل أبیب  

رسائل 'نصر الله' تفعل فعلها فی تل أبیب

 الجمعة ٠٧ یونیو ٢٠١٩

لم یکن مفاجئاً أن تظهر إسرائیل مربکة إزاء ما أعلنه الأمین العام لحزب الله السید حسن نصر الله، عن الصواریخ الدقیقة. وتحدیداً ما یتصل بالتلویح ببناء مصانع إنتاج الصواریخ الدقیقة رداً على تواصل الضغوط الأمیرکیة فی هذا الصدد.

العالم - لبنان

ولم یکن مفاجئاً أیضاً أن یظهر هذا الإرباک على لسان رئیس الاستخبارات العسکریة (أمان)، اللواء تامیر هایمن، الذی أعلن أنه «بحسب فهمنا للقدرات الصاروخیة (لحزب الله)، فإنها لیست فعلاً دقیقة».

وخصوصیة هذا الموقف على لسانه تنبع من کونه مسؤولاً عن هذا الملف، باعتباره أحد أهم العناوین الذی یتابعه هذا الجهاز. وما أعلنه نصر الله عن القدرات والاستعداد لبناء مصانع شکَّل ضربة مباشرة للاستخبارات العسکریة التی یتمحور نشاطها حول تقدیر نیات العدو وقدراته، ویبدو أن کل الطاقم القیادی للاستخبارات العسکریة، ومن خلالها کل المؤسسة الأمنیة والکیان الإسرائیلی، شعر بالصفعة التی تلقاها من نصر الله. وهو ما دفع هایمن الى المکابرة ورفض الإقرار بفشل مؤسسته الاستخباریة وکل من توالى على رئاستها، فاختار سیاسة مواجهة الواقع عبر إنکاره والانقلاب على کل الخطاب الرسمی الإسرائیلی، الذی أعلنه مَن سبقه فی المنصب نفسه، فضلاً عن رئیس حکومة العدو بنیامین نتنیاهو والخبراء والقادة والمحللین العسکریین فی إسرائیل.

مع کلام هایمن أمام مؤتمر مرکز تراث الاستخبارات الذی نُظِّم کجزء من معرض السلاح ISDEF فی تل أبیب أو بدونه، کان واضحاً أن ما أعلنه نصر الله سیحضر على طاولة مؤسسة القرار السیاسی والأمنی. مع ذلک، فقد کشف کلام هایمن أنه أتى بعد تقدیر أجرته المؤسسة الاستخباریة، حول کیفیة التعامل مع الرسائل التی اختار نصر الله احتفال یوم القدس لإطلاقها، وخلصت الى ضرورة احتواء مفاعیل هذه الرسائل التی عززت معادلة الردع لمصلحة حزب الله، وفرضت خیارات ومسارات مُحدَّدة أمام الوسیط الأمیرکی الذی یحاول استغلال المحادثات حول ترسیم الحدود بین لبنان وفلسطین المحتلة، لإثارة هذه القضیة التی تؤرق کیان العدو.

سبق لنتنیاهو أن أکّد فی الأمم المتحدة وجود صواریخ فی حوزة حزب الله تصل دقّتها إلى 10 أمتار


قد یکون مفهوماً الإرباک الذی أصاب قادة تل أبیب، لکن لم یکن متوقعاً أن ینحدروا الى هذا المستوى اللامهنی. إذ کیف تکون الصواریخ التی أطلقها الحرس الثوری الإیرانی، وأصابت مقر اجتماع الحزب الکردی المعادی للنظام الإسلامی فی طهران، على بعد نحو مئتی کیلومتر، خلال العام الماضی، بهذا المستوى من الدقة، ثم تکون هذه الصواریخ نفسها التی تتحدث إسرائیل عن أن إیران زوّدت وتزوّد بها حزب الله فی لبنان غیر دقیقة؟ وکانت هذه الضربة بالذات قد حظیت بالتعلیق على لسان کبار الخبراء والقادة فی إسرائیل لجهة الإشارة الى مستوى دقة الصواریخ التی تم استخدامها. ویتعارض هذا الموقف، أیضاً، مع ما سبق أن أعلنه رئیس أرکان جیش الاحتلال غادی آیزنکوت، الذی تحدث فی أکثر من مناسبة عن صواریخ حزب الله الدقیقة، فی سیاق الحدیث عن افتراضه وجود أعداد مُحدَّدة لها. بل إن هایمن انقلب على سلفه فی المنصب اللواء هرتسی هلیفی الذی کان أول من رفع الصوت محذّراً، أمام مؤتمر هرتسیلیا 2017، من الصواریخ الدقیقة التی ینشرها حزب الله فی جنوب لبنان، ومن حینه توالت التقاریر والمواقف والحملات الإعلامیة والسیاسیة التی لا تزال متواصلة حتى الآن.
وما دام أنه لیس هناک صواریخ دقیقة عند حزب الله، فلماذا جال نتنیاهو على عواصم القرار الدولی، من واشنطن الى موسکو، الى باریس والاتحاد الأوروبی، ولماذا رفع الصوت عالیاً من على منبر الأمم المتحدة محذّراً من صواریخ حزب الله الدقیقة «القادرة (بتعبیر نتنیاهو) على بلوغ عمق الأراضی الإسرائیلیة بمدى دقة من 10 أمتار»، وزعم فی ذلک الحین وجود ثلاث منشآت تقوم بمهمة تطویر الصواریخ الى صواریخ أکثر دقة؟ (خطاب نتنیاهو فی الأمم المتحدة یوم 27 أیلول 2018).
ولماذا یجول المبعوث الأمیرکی دیفید ساترفیلد على المسؤولین اللبنانیین، طالباً منهم الضغط على حزب الله، من أجل إزالة مصانع الصواریخ الدقیقة فی لبنان (قال الأمین العام لحزب الله إن المصانع غیر موجودة فی حوزة المقاومة، لکن الصواریخ الدقیقة موجودة)؟ وما دامت إسرائیل فی أحسن أحوالها على کل الجبهات، کما حاول أن یقدم هایمن فی کلمته، فلماذا کل هذا الصراخ والتهدید والاستنجاد بموسکو وواشنطن وغیرهما؟
من الواضح أن حجم الضغط الذی ترکته رسائل نصر الله على قادة الأجهزة الأمنیة الإسرائیلیة، لم تترک لهم خیارات واسعة. وهو ما یتضح مما کشفه المعلق العسکری فی القناة الـ 13 الإسرائیلیة، أور هیلر، عندما قال: «قال لنا رجال تامیر هایمن فی الجیش إنه قرأ خطاباً مکتوباً، وإنه جاء الى هذا المؤتمر وهو جداً مستعد... وکان الخطاب مدروساً جداً، وقد حصل على موافقة من أعلى المستویات فی إسرائیل». واللافت أن هیلر تابع مفسراً کلام هایمن بأن المسألة هی عبارة عن «حرب نفسیة، ویوجد هنا حرب رسائل بین الجیش الإسرائیلی وحزب الله»، وأن قادة العدو یراهنون بذلک على أن یعید نصر الله حساباته.
یبرز فی هذا السیاق فارق جوهری بین الحرب النفسیة التی شنها هایمن، والحرب النفسیة التی یشنها حزب الله، أن الأول انقلب على المسلمات فی إسرائیل، فیما یبدی حزب الله حرصاً شدیداً على أن تستند حربه النفسیة الى وقائع فعلیة، إدراکاً منه بأن صدقیتها تشکل شرطاً ضروریاً لفعالیتها فی وعی العدو والحلفاء وجمهور الطرفین.

آیزنکوت تحدث فی أکثر من مناسبة عن صواریخ حزب الله الدقیقة، مفترضاً وجود أعداد مُحدَّدة لها


رغم ما تقدم، فإن محاولة استکشاف مبررات ما دفع الاستخبارات العسکریة الى خیار «الکذب» المفضوح، تفضی إلى ملاحظة أن هذا الخیار أتى بعدما وجدت القیادة الإسرائیلیة نفسها أمام خیارین لم تستطع تبنی أی منهما: إما التجاهل الرسمی لکلام نصر الله، أو الإقرار به. ووجدت أن لکل منهما مفاعیله السلبیة على الواقع الإسرائیلی وعلى معادلات المنطقة، وخاصة أن المواقف والخیارات التی طرحها قائد المقاومة فی کلامه حضرت بقوة فی کل أوساط القادة والنخب والرأی العام المعادی والحلیف. أما بخصوص الإقرار الصریح والمباشر بالمعادلات التی أعلنها نصر الله، فتکفی العودة الى ما سبق أن أوضحه رئیس شعبة العملیات فی الجیش الإسرائیلی اللواء أیتسیک ترجمان، لتکشف الخطورة التی تنظر من خلالها إسرائیل الى هذا النوع من القدرات: «فی کل دولة هناک أرصدة حیویة یجب ألا تصاب. مصادر الطاقة، خزانات الوقود، مصانع السلاح، المراکز السکانیة... 50 متراً یمکن أن تشکل فارقاً مهماً بین ضرر غیر مهم وقدرة على شلّ هذه المرافق والإضرار بالقدرة التشغیلیة للدولة ومؤسستها الأمنیة... بواسطة 20 صاروخاً (دقیقاً)، یمکنک شلّ عمل الدولة. هذا هو الفارق» (یدیعوت أحرونوت، 6 تشرین الأول 2017). وفی السیاق نفسه یندرج أیضاً ما نقلته «وول ستریت جورنال» عن مصادر رسمیة إسرائیلیة محذّرة من خطورة ومفاعیل امتلاک حزب الله صواریخ دقیقة بالقول، إنها «قادرة على اختراق الأهداف الإسرائیلیة، وإن سلاحاً کهذا یمکن أن یسحق التفوق العسکری التکنولوجی لإسرائیل فی المنطقة، ویربک جهودها فی الدفاع عن حدودها ومدنها الشمالیة» (8 کانون الأول 2018).
هکذا یبدو واضحاً أن رسائل نصر الله فعلت فعلها فی تل أبیب، ما دفع المؤسسة القیادیة إلى أن تجترح خیاراً بدیلاً من الخیارین السالفین (التجاهل أو الإقرار) بالانقلاب على کل خطابها ومواقفها و ــــ قبل کل ذلک ــــ على الواقع، فتواجهه بالإنکار، على أمل أن یساهم ذلک فی طمأنة الجمهور الإسرائیلی. والسبب یعود الى أن مفاعیل الإقرار بالوقائع قد تکون أحیاناً أشد خطورة من الوقائع نفسها، فتضطرّ الى التعمیة علیها وعلى جمهورها. هی حالة تصیب الکیانات التی دخلت زمن الترهل.

علی حیدر - صحیفة الاخبار

 

 

 

قناة العالم

Parameter:414404!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)