|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/10/28]

سیکولوجیا التّطبیع (2): "إسرائیل" حاجة سعودیّة داخلیّة!  

ما هی "الثغرات" النفسیّة الّتی ولجت منها "إسرائیل" إلى العائلة الحاکمة السعودیّة؟

سیکولوجیا التّطبیع (2): "إسرائیل" حاجة سعودیّة داخلیّة!

علی شهاب 

المصدر: وکالات

16 حزیران  2020 م 

ما هی "الثغرات" النفسیّة الّتی ولجت منها "إسرائیل" إلى العائلة الحاکمة السعودیّة؟

یمکن تحدید مصالح مشترکة کثیرة سعودیّة إسرائیلیّة فی السّیاسة والاقتصاد

تقدّم جامعة "تل أبیب"، التی تضمّ 9 کلیات وأکثر من 30 ألف طالب، وتندرج فی قائمة أفضل 20 مؤسّسة علمیّة عالمیاً، مادة سیاسیّة حول "تشکّل" الشرق الأوسط فی القرن الـ20. المادّة التی یحاضر فیها البروفیسور آشر سوسر، الباحث فی مرکز "موشیه دایان"، تخوض فی صعود أهمّ اللاعبین فی المنطقة. المحاضرة الخاصَّة بالسعودیة عنوانها "الاستقرار المفاجئ للعروش العربیّة".

هذا الاستقرار "المفاجئ" للمملکة یفسّر الکثیر من الأداء السیاسی الخارجی لدولة تتبع کلّ کلمة تُکتب ضدها فی شبکات التواصل بهدف قمعها وحظرها، بحسب ما کشفت عنه تقاریر ألمانیّة فی العام 2019. تابعت دعاوى قضائیة ضدّ موظّفین سابقین فی "تویتر"، بعد تلقّیهم أموالاً من الریاض للتجسّس على منتقدی المملکة والناشطین المعارضین لها.

فما هی "الثغرات" النفسیّة الّتی ولجت منها "إسرائیل" إلى العائلة الحاکمة السعودیّة؟

یکمن جزء من الجواب فی المادة الأکادیمیة التی توفّرها جامعة "تل أبیب" لطلابها: البنیة الثقافیة - الاجتماعیّة الّتی یستطیع من خلالها "آل سعود" الحفاظ على استقرار البلاد، أی القبلیّة.

شبکة من العلاقات الداخلیة، وفق المبادئ القبلیة، هی التی أدت إلى تأسیس المملکة والحفاظ على شکل الحکم فیها تاریخیاً. فی الجانب "الاجتماعی"، هذا الأمر مفهوم، لکنه فی علم النفس یمتلک دلالات عمیقة، إذ إنَّ فهم السیاسة الخارجیة للسعودیة، ومنها التطبیع مع "إسرائیل"، یحتاج إلى فهم السّمات النفسیّة للفکر القبلیّ.

السّمات النفسیّة والاجتماعیّة للحکم السّعودی

علّق المتحدّث باسم مجموعة "أم بی سی" على قرار إنتاج مسلسل "مخرج 7" وعرضه، وما أثاره من جدل حول تمهید السّعودیة لتطبیع العلاقات مع "إسرائیل"، بأنّ المجموعة "تحاول بلسمة الجراح وتقریب الناس من بعضهم البعض". 

بغضّ النظر عن خفَّة هذا الرأی، فإنّه یعبّر عن کثیرین من جیل الشّباب، وخصوصاً فی المملکة السعودیة، ممن یظنّون أنّ القضایا الإقلیمیة لا یجب أن تکون فی أولویة اهتماماتهم، وأن على الحکومة فعل أیّ شیء یعزز رفاهیة الشعب السعودی، بعیداً من الصراعات.

حین تکوّنت السلطة فی السعودیة مع نشوئها، کان السبب المباشر حمایة الحکم من مکوّنات السلطة نفسها! فالتحالف الذی أرسى أرکان المملکة ما بین عشائر ورجال دین صار بحاجة إلى عدو خارجی مع مرور الزمن، لیضمن استمراریة الحُکم، بسبب غیاب مشروع داخلی قادر على مواکبة الحداثة الفکریة والتطوّر الاجتماعیّ والثقافی.

العداء مع إیران هو أحد أوجه هذه الحاجة لضمان استقرار الداخل السعودی، فالروابط بین مکوّنات المجتمع تشتدّ عند الاجتماع على خطر خارجی (مقدمة ابن خلدون). وفی حالة السعودیة، اتخذت هذه الروابط أشدّ أشکال العصبیة المستندة إلى عوامل الدّین والعرق والدم. یمکن ملاحظة هذه العوامل بوضوح فی خطاب السعودیین أنفسهم تجاه "الفرس" الذین تُنزع عنهم کلّ سمة إنسانیّة.

ولکنّ المعضلة التی یمثلها "العدو" الإیرانی تکمن فی کونه لم یُهزم! ومع صمود "العدوّ"، تصبح الروابط الداخلیة فی المملکة أشدّ قابلیة للوهن والضعف، فیمیل عندها العقل الحاکم إلى التشدّد وممارسة "الحزم"، خشیة تفکّک الروابط. وفی مسار موازٍ، یحتاج الحُکم فی مرحلة "الحزم" إلى "تنظیف" السّلطة کی یضمن الولاء، ولا یکرّر خطر الارتهان إلى روابط اجتماعیّة لا یمتلک السّیطرة علیها.

تفرض السّلطة سطوتها فی هذه المرحلة بالأدوات التقلیدیة نفسها: التعلیم والإعلام والقوة، وهذا هو ثالوث الحُکم لدى ولی العهد محمد بن سلمان، وهذا هو سبب اجتماع الرأی العام العالمی، بما فیه الحلیف للسعودیة، على اعتباره "أخطر رجل فی العالم".

من سخریة القدر أنّ "رؤیة" ابن سلمان تصطدم، فضلاً عن صمود إیران، "العدو الخارجیّ" المصطنع الأوّل، بعناصر القوّة الخارجیّة التی دأبت المملکة على استخدامها للحفاظ على الاستقرار واستمراریّة الحُکم: الدّعم الأمیرکیّ - البریطانی.

فمع الانهیار التاریخی لأسعار النفط، وتحقیق دونالد ترامب صفقات خیالیة مع الریاض قد لا تتکرّر، ومع دخول روسیا بقوة إلى المشهد المحیط بالمملکة، وظهور "کوفید 19" الذی یهدد الرؤیة الاقتصادیة للسعودیة، مع کل هذه العوامل، لن یکون بمقدور محمد بن سلمان تأمین حُکمه بالاعتماد على ثالوث "التعلیم والإعلام والقوة" فقط، فالتعلیم سُرعان ما یتراجع دوره مع إدراج مقرراته کافة ضمن المناهج، والإعلام لعبة سطحیة مکشوفة فی زمن شبکات التواصل. وحدها القوة تحتاج دوماً إلى فائض. وبما أنَّ السعودیة لا ینقصها المال والسلاح، فالقیمة الإضافیة المفیدة تکمن فی "الاستخبارات" لتثبیت دعائم الحُکم.

ومَن أفضل من "إسرائیل" فی مجال الاستخبارات، وخصوصاً بعد أن صارت التکنولوجیا رکیزة من رکائز هذا المجال؟

یمکن ببساطة ملاحظة هذا الجانب فی مسارعة ابن سلمان إلى إرسال موفده للقاء الإسرائیلیین قبل أعوام قلیلة، لشراء تقنیة "بیغاسوس" للتجسّس وتشدیده على الحصول على أفضل تقنیّات متوافرة عالمیاً. 

والجدیر ذکره أنّ العدد الأکبر من عملیات التجسّس التی قامت بها السعودیة باستخدام التقنیة الإسرائیلیّة کانت داخلیّة لا خارجیّة، کما قد یظنّ البعض، وهذا ما تکشفه شرکات الأمن الرقمی التی تحقّق فی القضیّة منذ أعوام.

یمکن تحدید مصالح مشترکة کثیرة سعودیّة إسرائیلیّة فی السّیاسة والاقتصاد، وفی مواجهة "العدوّ الإیرانیّ المشترک"، ولکنّ الحفاظ على استمراریة الحُکم بالنسبة إلى آل سعود هو السّبب النّهائی الَّذی یفسّر سیاساتهم الخارجیّة.

 

الجزء الأول من المقال
لقراءة الجزء الأول من المقال: سیکولوجیا التطبیع (1): کیف نجحت "إسرائیل" فی اختراق السعودیة؟
 

 

المیادین

 

علی شهاب

صانع محتوى، وله العدید من الأفلام الوثائقیة. سفیر منظمة Hostwriter فی المشرق العربی.

Parameter:458677!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)