|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/07/22]

قرار ترامب الاعتراف بالسیادة الإسرائیلیة على الجولان.. خلفیاته ودوافعه  

قرار ترامب الاعتراف بالسیادة الإسرائیلیة على الجولان.. خلفیاته ودوافعه

المرکز العربی للأبحاث ودراسة السیاسات

27 مارس 2019

وقّع الرئیس الأمیرکی، دونالد ترامب، فی 25 آذار/ مارس 2019، أمرًا تنفیذیًّا ینص على اعتراف الولایات المتحدة الأمیرکیة بالسیادة الإسرائیلیة على الجولان السوری المحتل، وذلک بحضور رئیس الوزراء الإسرائیلی، بنیامین نتنیاهو، الذی وصف الخطوة بأنها "تاریخیة". وخلافًا لموضوع الاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال، لم یأت الاعتراف بالسیادة الإسرائیلیة على الجولان المحتل من خلال تشریع أمیرکی عبر الکونغرس، بل جاء من الحکومة الأمیرکیة على صیغة "هدیة" من ترامب إلى "صدیقه" نتنیاهو الذی یواجه منافسة قویة فی انتخابات الکنیست التی تجری فی 9 نیسان/ أبریل 2019.
تعدّ قرارات ترامب بنقل السفارة الأمیرکیة إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان بالقوة، تغییرًا کبیرًا فی السیاسة الأمیرکیة إزاء الصراع العربی – الإسرائیلی، والتی قامت، منذ عام 1967، على أساس معادلة "الأرض مقابل السلام" التی ینص علیها قرار مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة رقم 242، الصادر فی تشرین الثانی/ نوفمبر 1967، ویرفض الاستیلاء على أراضی الغیر بالقوة، والتزمتها الإدارات الأمیرکیة المتعاقبة، دیمقراطیة أم جمهوریة. وتأکیدًا لالتزامها معادلة "الأرض مقابل السلام"، أیدت الولایات المتحدة قرار مجلس الأمن رقم 497، والذی رفض قرار إسرائیل، عام 1981، ضم الجولان المحتل إلیها، ونص القرار على أن "قرار إسرائیل بفرض قوانینها وولایتها القضائیة وإدارتها فی مرتفعات الجولان السوریة المحتلة باطل ولاغٍ وبدون تأثیر".

الخطوات التی مهدت لقرار ترامب
على الرغم من استعداد إسرائیل للتفاوض مع سوریة على الجولان، فی إطار التوصل إلى سلام معها، واعتبار قرارها بضمه خطوةً سیاسیة للضغط على سوریة، وردًا على رفض سوریة اتفاقیات کامب دیفید مع مصر، حاولت الحکومة الإسرائیلیة إقناع الولایات المتحدة بقبول الاعتراف بضم الجولان إلى أراضیها، إلا أن الإدارات الأمیرکیة المتعاقبة، منذ عام 1967، رفضت ذلک. وقد ازدادت المساعی الإسرائیلیة للحصول على اعتراف أمیرکی ودولی بقرارها ضم الجولان خلال الحرب السوریة. وضغط نتنیاهو بشدة على إدارة الرئیس باراک أوباما لإصدار بیان تعترف فیه بالسیادة الإسرائیلیة على الجولان، لکن أوباما رفض ذلک. وقد کذب ترامب، حین ادّعى أن الرؤساء الأمیرکیین السابقین وعدوا بضم الجولان فی حملاتهم الانتخابیة ولم ینفذوا وعودهم، أما هو فنفذ وعده، فلم یَعِد أحد منهم بذلک، خلافًا للوعود بنقل السفارة إلى القدس.
وقد اختلف الوضع تمامًا فی عهد ترامب الذی بدأ سلسلة من الإجراءات الأحادیة، تضمنت 

"یعدّ قرارا ترامب نقل السفارة الأمیرکیة إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان بالقوة، تغییرًا کبیرًا فی السیاسة الأمیرکیة إزاء الصراع العربی – الإسرائیلی"

الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ثم قرّر نقل السفارة الأمیرکیة إلیها. وفی 11 آذار/ مارس 2019، اصطحب نتنیاهو کلًا من السیناتور الأمیرکی المقرّب من ترامب، لیندسی غراهام، والسفیر الأمیرکی فی إسرائیل، دیفید فریدمان، فی جولةٍ فی مرتفعات الجولان، لیعلن خلالها غراهام إن هناک توجهًا داخل الکونغرس الأمیرکی للاعتراف بهضبة الجولان جزءًا من دولة إسرائیل. ولم یکد یمضی یومان على تصریحات غراهام تلک، حتى صدر التقریر السنوی للخارجیة الأمیرکیة عن حقوق الإنسان فی العالم، وکان لافتًا أنه نزع صفة الاحتلال عن الأراضی العربیة التی تحتلها إسرائیل بما فیها الضفة الغربیة والجولان، وهو التقلید الذی ظل سائدًا فی التصریحات والبیانات الرسمیة الأمیرکیة منذ 1967. وفی 21 آذار/ مارس 2019، غرّد ترامب على توتیر: "بعد 52 عامًا، حان الوقت للولایات المتحدة أن تعترف بالکامل بسیادة إسرائیل على مرتفعات الجولان التی تتسم بأهمیة إستراتیجیة وأمنیة بالغة لدولة إسرائیل والاستقرار الإقلیمی". ثم، جاء توقیع الإعلان رسمیًّا فی 25 ذار/ مارس 2019. ویُعتقد أن فریدمان هو الشخصیة الأساسیة فی الإدارة التی دفعت فی اتجاه إصدار هذا الإعلان، بدعم من مستشار ترامب وصهره، جارید کوشنر، ووزیر الخارجیة مایک بومبیو، ومستشار الأمن القومی، جون بولتون. 
لقد أصبح واضحًا أن الانحیاز الأمیرکی إلى إسرائیل تحول فی عهد ترامب إلى نهج جدید، یتلخص بتبعیة أمیرکیة کاملة للیمین الإسرائیلی فی قضایا الصراع العربی - الإسرائیلی وقضیة فلسطین.

دوافع الإعلان وسیاقاته
لقد رکز ترامب على مزاعم الاعتبارات الأمنیة لإسرائیل فی محاولته تبریر إعلانه حول الجولان الذی یقطع مع أکثر من خمسین عامًا من السیاسات التقلیدیة الأمیرکیة المستقرة فی التعامل مع الأراضی الفلسطینیة والعربیة المحتلة بعد 5 حزیران/ یونیو 1967، إلا أنه ثمّة دوافع وحسابات أخرى تبدو أقرب إلى تفسیر ما جرى. ویمکن تقسیم هذه الدوافع والحسابات إلى ثلاثة مستویات. الأول یتعلق بمحاولات دعم نتنیاهو فی انتخابات الکنیست الإسرائیلیة المقبلة، والتی یواجه فیها تحدیًّا کبیرًا واتهامات بالرشوة والفساد. الثانی یتعلق بحسابات انتخابیة لترامب نفسه. أما المستوى الثالث، فیرتبط بتصور إدارة ترامب لطبیعة وشروط وشکل الحل المستقبلی للصراع الفلسطینی - الإسرائیلی، والصراع العربی - الإسرائیلی.

1. دعم نتنیاهو
یمثّل استقبال ترامب نتنیاهو فی البیت الأبیض خروجًا، فی حد ذاته، عن المتعارف علیه فی العلاقات الأمیرکیة - الإسرائیلیة؛ حیث یتحاشى الرؤساء الأمیرکیون، عمومًا، أن یظهروا بأنهم یتدخلون مباشرة فی الانتخابات الإسرائیلیة. وقد جاء لقاء الطرفین، قبل أسبوعین فقط من انتخابات الکنیست فی 9 نیسان/ أبریل 2019، ویواجه فیها نتنیاهو، الساعی إلى ولایة  

"تحول الانحیاز الأمیرکی إلى إسرائیل فی عهد ترامب إلى نهج جدید"

خامسة، تحدیًّا کبیرًا من جراء فضائح سیاسیة، وتهمًا بالفساد والرشوة. لقد رحّب جل الساسة الإسرائیلیین بإعلان ترامب بشأن الجولان، إلا أن بعضهم انتقد توقیته، واعتبر ذلک محاولةً من ترامب لتعزیز موقف نتنیاهو السیاسی قبل الانتخابات؛ إذ تشیر استطلاعات الرأی الإسرائیلیة إلى تساوی شعبیة کل من حزب اللیکود، بقیادة نتنیاهو، وحزب "أزرق أبیض"، بزعامة رئیس هیئة الأرکان الإسرائیلی الأسبق، بینی غانتس. ولا یُخفی الأخیر اعتقاده أن القرار الأمیرکی بشأن الجولان قد یکون لمساعدة نتنیاهو فی الانتخابات. ویحظى ترامب بتأیید کبیر فی أوساط الیمین واللوبیات الصهیونیة، بسبب قراراته التی تفوق حتى توقعات الیمین الإسرائیلی. ویرى کثیرون فی إسرائیل، وفی الولایات المتحدة، أن استقبال ترامب نتنیاهو وإعلانه اعتراف الولایات المتحدة بسیادة إسرائیل على الجولان کان بمنزلة هدیة له. 
2. حسابات ترامب الانتخابیة
یهدف إعلان ترامب بشأن الجولان، مثل ما کان علیه الحال فی موضوع القدس، إلى تعزیز فرصه الانتخابیة عام 2020، وذلک من خلال محاولة استرضاء القاعدة العریضة للمسیحیین الإنجیلیین الذین صوتوا لصالحه بأعداد کبیرة فی انتخابات عام 2016. وینتمی بعض رموز إدارة ترامب إلى هذه القاعدة، مثل نائبه مایک بینس، ووزیر خارجیته مایک بومبیو، وغیرهما. ویمثّل الإنجیلیون قرابة 25% من الشعب الأمیرکی، وصوت قرابة 80% من البیض منهم لصالح ترامب فی الانتخابات الرئاسیة السابقة. وکان لافتًا أن بومبیو صرّح من إسرائیل، قبل أیام فقط من إعلان ترامب بشأن الجولان، إن "ترامب قد یکون هدیةً من الرب لإنقاذ الیهود من إیران".
وضمن حسابات ترامب الانتخابیة أیضًا، محاولة استمالة اللوبی الصهیونی النافذ فی واشنطن لصالحه ولصالح الحزب الجمهوری، خصوصًا فی ظل التوتر القائم بین هذا اللوبی ودوائر فی الحزب الدیمقراطی من جراء تراجع التأیید لإسرائیل فی صفوف الدیمقراطیین، وخصوصًا فی أوساط القاعدة الشبابیة الأکثر لیبرالیةً للحزب، بمن فیهم الیهود. وقد حاول ترامب أن یستثمر الجدل الذی أثارته أخیرا تغریدات وتصریحات للنائبة الدیمقراطیة المسلمة، إلهان عمر، نقدت فیها لجنة الشؤون العامة الأمیرکیة - الإسرائیلیة، المعروفة اختصارًا باسم (إیباک)، والتی اتهمت على إثرها بـ "معاداة السامیّة". وکان ترامب اتهم الدیمقراطیین، فی 22 آذار/ مارس 2019، بأنهم "معادون لإسرائیل تمامًا"، وأضاف: "بصراحة، أعتقد أنهم معادون للیهود". ویبدو أنه لا حدود للدیماغوغیا التی یتبعها ترامب، وأصبحت تمثّل خطرًا کبیرًا على الأمن والسلم الدولیین وعلى الأعراف والقوانین الدولیة، ولا تأبه بالشرعیة الدولیة وقرارات مجلس الأمن.
3. محاولة فرض إطار الحل للصراع 
لعل أبرز الدوافع والحسابات التی تقف وراء قرار ترامب فی إعلان الاعتراف بسیادة إسرائیل على الجولان تتمثل بمقاربة إدارته للصراع العربی - الإسرائیلی عمومًا، وفی القلب منه  

"رکز ترامب على مزاعم الاعتبارات الأمنیة لإسرائیل فی محاولته تبریر إعلانه حول الجولان"

الموضوع الفلسطینی. وواضح أن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة رسم ملامح الصراع، ووضع محددات جدیدة له؛ بتبنی مفاهیم الیمین الإسرائیلی وتصوراته وأهدافه على حساب الفلسطینیین والعرب. وتوظف الإدارة الأمیرکیة فی مسعاها هذا واقع التمزق الفلسطینی - الفلسطینی، والعربی - العربی، وترکیز محور الریاض - أبو ظبی، تحدیدًا، على الصراع مع إیران واعتبار إسرائیل حلیفًا فی هذا السیاق. وقد أدّت إیران أیضًا مع حلفائها دورًا فی إیصال المنطقة إلى هذه الحالة من الضعف والتمزق، بسبب طموحاتها الإقلیمیة وسیاساتها الطائفیة، ومن ثم الوصول إلى هذه النتیجة. أما النظام السوری، فیتحمل الجزء الأکبر من المسؤولیة عن تمهید الطریق لإدارة ترامب وإسرائیل للسطو على الجولان المحتل، من جرّاء سیاساته التی أدت إلى تدمیر سوریة وتمزیقها إلى مناطق نفوذ وسیطرة بین القوى الخارجیة.
فی الإطار العام، تقوم مقاربة إدارة ترامب، کما فی موضوع القدس، وقطع المساعدات عن وکالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغیل اللاجئین الفلسطینیین فی الشرق الأدنى (أونروا)، فی أیلول/ سبتمبر 2018، على تحیید ما تعتبرها "عقباتٍ" على طریق "حل" الصراع العربی، مع إسرائیل، وذلک لیس بحل القضیة الفلسطینیة بل بإلغائها، ولیس بتلبیة المطالب العربیة العادلة بالانسحاب من الأراضی العربیة المحتلة، بل بتجاوزها. 
وکان ترامب فسّر من قبل مسألة اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائیل، ونقل السفارة الأمیرکیة إلیها، بأنه "شیء جید قمت به، ذلک أننا أزلنا هذه العقبة من على طاولة المفاوضات. فی کل مرة، کانت هناک محادثات سلام، فإنهم لم یتمکّنوا أبدًا من تجاوز أن تکون القدس هی العاصمة. ولذلک قلت فلنزحها عن الطاولة". وضمن المنطق نفسه، فإن مسألة "حق العودة" کانت "عقبة" أخرى فی طریق "السلام"، وجبت إزاحتها من طاولة المفاوضات، عبر وقف تمویل "أونروا"، ومن ثمّ "تسهیل" التوصل إلى اتفاق بین الفلسطینیین والإسرائیلیین. والیوم یعید ترامب الکرّة مرة ثالثة فی موضوع الجولان، بمعنى إزالتها من الطریق لـ "تسهیل" التوصل إلى اتفاق سلام بین سوریة وإسرائیل، فی منطقٍ یعکس طریقة التفکیر السائدة فی الغرب الأوسط الأمیرکی، بعدم رؤیة أی اعتبار فی السیاسات الدولیة غیر القوة الأمیرکیة. 
تقوم مقاربة إدارة ترامب لما تعرف بـ "صفقة القرن" على إجبار العرب على الاعتراف بالأمر الواقع الذی فرضته إسرائیل، وتفریغ الحقوق الفلسطینیة والعربیة من القضایا الجوهریة والمرکزیة، بحجة صعوبة التوصل إلى حلول توافقیة لها، ومن ثمّ لا یبقى قضایا حساسة یمکن أن تفجر خلافات تفاوضیة!

خلاصة
سوف یمرّ إعلان سیادة إسرائیل على الجولان المحتل، کما مرَّ إعلان القدس عاصمة لإسرائیل ونقل السفارة الأمیرکیة إلیها، ولن یردع الولایات المتحدة الانتقادات التی خلفتها الخطوة أخیرا. وقد کشفت بعض وسائل الإعلام الأمیرکیة، نقلًا عن مسؤولین أمیرکیین، أن مستشاری ترامب شجعوه على الاعتراف بسیادة إسرائیل على الجولان، من منطلق أن ردود الفعل التی أثارها قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال کانت أقل کثیرًا مما توقعوه. کما أن التنسیق الأمنی بین إسرائیل وحلفاء الولایات المتحدة فی الخلیج ضد إیران لم یتأثر بقرار نقل السفارة الأمیرکیة إلى القدس، ولا یوجد سببٌ لتوقع عاصفة أشد فی موضوع الجولان. أما النظام السوری فهو ضعیف جدًّا، لیقوم برد فعل خارج حدود اللفظیّ، وهو رهینة لحسابات روسیا فی المنطقة، ومن ثمّ، فإنه یستبعد أن یسعى إلى الرد على إسرائیل عسکریًّا، على الأقل فی المرحلة الحالیة، والأمر نفسه ینطبق على إیران وحلفائها. والأرجح أن یعزّز الاعتراف الأمیرکی بالسیادة الإسرائیلیة على الجولان مکانة إیران وحلفائها، ویُضعف موقف الدول العربیة الحلیفة للولایات المتحدة.

 

العربی الجدید

Parameter:396076!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)