|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/01/24]

ماذا یعنِی ترامب عندما یقول للسعودیین “قاتِلوا إیران وسندعمکم”؟  

ماذا یعنِی ترامب عندما یقول للسعودیین “قاتِلوا إیران وسندعمکم”؟ وهل إرسال بِضعَة مِئات من الجُنود إلى الریاض ستُوفّر الحِمایة لهم؟ وکیف نَراها خُطوةً مُخیّبةً للآمال قد تُعطی نتائج عکسیّة؟ وما هی “الثّورة” الجدیدة فی التّصنیع العسکریّ التی کشَفها الهُجوم على مُنشآتِ بقیق وخریص وغیّرت کُل قواعد الاشتباک؟

عبد الباری عطوان

إرسالُ الإدارة الأمریکیّة “مئات” من الجُنود الأمریکیین إلى المملکة العربیّة السعودیّة یُقلِّص احتمالات العمل العسکریّ کردٍّ على الهُجوم الذی استَهدف مُنشآت النفط فی بقیق وخریص، وأثار هزّةً غیر مسبوقة فی أسواق الطّاقة والمال فی العالم بأسرِه. 

مارک إسبر، وزیر الدفاع الأمریکی، قال إنّ إرسال هؤلاء الجُنود جاء بطلبٍ سعودیٍّ إماراتیٍّ لتعزیز القُدرات الدفاعیّة، الجویّة والصاروخیّة للبَلدین، ممّا یُؤکّد صحّة الرّسالة التی بعَثها الرئیس ترامب للمَسؤولین السعودیین: “قاتِلوا وسندعمکم.. ولا تعهّدات بحمایتکم.. ودفْع الثّمن یجِب أن یکون مُقدّمًا فلا دعم بالمجّان”.

هذا الموقِف الأمریکیّ سیُصعّد من حالةِ الخُذلان وخیبة الأمل السعودیّة الإماراتیّة تُجاه “الحلیف” الأمریکی، فالقیادة السعودیّة لم تتوقّع ردًّا أمریکیًّا على مُنشآتها النفطیّة بإرسال مِئاتٍ من الجُنود، وإنّما إرسال مِئات الصّواریخ والإقدام على ردٍّ ساحقٍ على ما تصِفه بالعُدوان الإیرانی، یُؤدِّی إلى تدمیرِ مُنشآتٍ نوویّةٍ أو نفطیّة أو الاثنین معًا، ولکن ما تُریده القِیادة السعودیّة شَیء وما یُریده ترامب شیءٌ آخر مُختلف کُلِّیًّا.

عندما یقول ترامب للسعودیین بصراحةٍ ووضوح، قاتِلوا وسندعمکم، فهذا یعنی أن مَهمّة الرّد یجب أن تکون سعودیّة محضَة، ومن قبَل الطائرات الأمریکیّة الحدیثة، أیّ تحمیل الریاض وحدَها مسؤولیّة أیّ حرب قادمة على إیران، وکُل ما یُمکن أن یترتّب علیها من تَبِعاتٍ.

***

المسؤولون السعودیّون حاولوا طِوال الأیّام القلیلة الماضیة، وبالتّحدید مُنذ بِدء الهُجوم على المُنشآت النفطیّة “تدویل الأزمة” بالقول إنّ هذا الهُجوم لا یستهدف السعودیّة ومُنشآتها فقط، وإنّما إمدادات الطّاقة، والنّظام المالی العالمی، أیّ أنّ الرّد، أیّ رد، لا یجب أن یکون سُعودیًّا فقط، وإنّما عالمیًّا، ومن أمریکا والدول الغربیّة تحدیدًا.

المُشکلة التی ظهرت بوضوح من خلال التّدقیق فی ما بین سُطور الهجَمات على مُنشآت بقیق وردود الفِعل علیها یُمکن حصرها فی نُقطتین:

الأولى: فشل المنظومات الدفاعیّة الأمریکیّة، وکُل ما یتفرّع عنها من صواریخ (باتریوت) ورادارات حدیثة مُتطوّرة، وعبّر عن هذا الفشل بوضوحٍ فلادیمیر بوتین عندما طالب السعودیّة بنقل بندقیّة التّسلیح من الکتِف الأمریکیّ إلى الکتِف الروسی.

الثانیة: فشَل استراتیجیّة التّدریب والإعداد للقوّات السعودیّة وقِیاداتها وجنرالاتها المُمثّلة فی الخُبراء الأمریکیین والکلیّات العسکریّة (ویست بوینت) التی انخَرط فیها مُعظم هؤلاء الجِنرالات السعودیین، وأبناء الأُسرة الحاکمة على وجه الخُصوص.

إرسال مِئات من العسکریین الأمریکیین للإشراف على إدارة المنظومات الدفاعیّة السعودیّة هو مُحاولةٌ لإصلاح هذین الفشَلین جُزئیًّا، وتهدئة حال الغَضب السعودیّ فی هذا المِضمار، ولکن هُناک أعراض جانبیّة یُمکن أن تترتّب على هذه الخُطوة الأمریکیّة، أبرزها إظهار المُؤسّسة العسکریّة السعودیّة بمَظهر الضّعیف غیر القادِر على حمایة بلاده، أو تشغیل المنظومات الدفاعیّة الأمریکیّة بشکلٍ فاعلٍ.

لا نستبعِد وجود خطّة أمریکیّة لتوریط السعودیّة والإمارات فی حرب مع إیران، تمامًا مثلما فعَلوا مع عِراق صدام حسین عام 1980، الأمر الذی سیُؤدّی إلى إضعاف البلدین، والاستیلاء على احتیاطاتهما المالیّة الضّخمة، ورهن ثروتیهما وصناعاتهما النفطیّة وعوائِدها لعُقود قادمة.

الرّهان الأمریکیّ الذی عبّر عنه الجنرال إسبر، وزیر الدفاع الأمریکی، ویتمثّل فی اللّجوء إلى العُقوبات الاقتصادیّة على إیران وآخِرها على المصرف المرکزیّ، من أجل إجبارها على العودة إلى مائدة المُفاوضات لن ینجح ویُعطی ثماره، بل سیزید من الهجَمات، سواء الإیرانیّة المُباشرة منها، أو من قبَل حُلفائها فی لبنان والعِراق والیمن وغزّة وسوریة، لکسر هذه العُقوبات وإجبار واشنطن للتخلّی عنها تقلیصًا للخسائر، فهذه حرب کسر عظم، والعُقوبات على البنک المرکزی الإیرانیّ هی تجویع حتى الموت لیس للشعب الإیرانی فقط، وإنّما لحواضن المُقاومة فی مِنطقة الشرق الأوسط بأسْرِها، ولذلک لن تمُر هذه العُقوبات دون رد.

الانقلاب الکبیر فی الموازین والمُعادلات العسکریّة فی المِنطقة والعالم یتمثّل فی “ثورةٍ” تسلیحیّةٍ جدیدةٍ وغیر مسبوقة، أبرز عناوینها إنتاج إیران وحُلفائها أسلحةً تقلیدیّةً بدیلةً صغیرةً رخیصةَ الثّمن، تُستخدم کأذرع وأدوات ضاربة وقویّة لإفشال التّکنولوجیا الأمریکیّة والغربیّة الباهظة الثّمن أوّلًا، وإفشال الإرهاب الاقتصادی الذی تشنّه إدارة ترامب، لیس على طِهران وحسب، وإنّما على موسکو وبکّین، ودِمشق وبغداد وکاراکاس وصنعاء أیضًا.

الجِنرال حسین سلامی، قائد الحرس الثوری الإیرانی، حذّر الأمریکان السبت من أنّ أیّ “هُجوم على إیران لن یبقى مَحدودًا، وأیّ دولة تُقدم علیه ستُصبِح ساحةَ المعارک، ولن نسمَح مُطلقًا بجرّنا إلى حربٍ على أراضینا”، هذا التّهدید یعنی أنّ الرّد الإیرانی سیکون فی العُمق الخلیجی، وربّما الإسرائیلی أیضًا، وکُل المُنشآت النفطیّة والقواعد والمصالح الأمریکیّة ستَکون مُستهدفةً، والهُجوم على بقیق مُجرّد “بروفة” فقط.

أحدث التّقاریر الغربیّة کشَفَت أنّ صواریخ کروز السّبعة، والطائرات المُسیّرة الـ 18 التی هاجمت مُنشآت بقیق وخریص السعودیّة طارت على ارتفاع 90 مترًا لتَجنُّب الرادارات الأمریکیّة، والوصول إلى أهدافها دون أیّ اعتراض، أیّ أنّ الطّرف الآخر یملک دهاءً عسکریًّا قادرًا على هزیمة التّکنولوجیا الأمریکیّة، أیّ أنّ المال ربّما یُحقّق التفوّق العسکریّ نظریًّا، ولکنّه لا یُحقّق الحمایة، ولیس ضمانةً للنّصر فی نهایة المطاف، فمَن یبدأ الحُروب لیس شرطًا هو الذی یضع نُقطة النّهایة لها، ولنا فی حُروب العِراق وأفغانستان وسوریة وفیتنام بعضُ الأمثلة.

***

ترامب فی ورطةٍ حقیقیّةٍ، وأثبتت الأزمة مع إیران بأنّه “أرنبٌ” من ورقٍ، فلم یستطع ترکیع إیران، ولم یجرؤ على غزو فنزویلا، وجَبُن فی الإقدام على الثّأر لإسقاط طائرته المُسیّرة فوق مضیق هرمز، أو حمایة “حُلفائه” السعودیین الإماراتیین، ومن احتجاز ناقلة أصدقائه البریطانیین، وکُل ما یستطیع فِعله لإنقاذ ماء وجهه، والتّغطیة على هزائمه، هو فرض المَزید من العُقوبات التی باتت باهظة التّکالیف على إدارته، ناهِیک عن فشَلها، ونتائجها العکسیّة.

عندما تتعطّل المِلاحة فی مطار دبیّ نتیجة طائرة مُسیّرة صغیرة لا یَزید ثمنها عن ألف دولار فی أفضل الأحوال، فهذا مُؤشّرٌ على أنّ حرکة “أنصار الله” الحوثیّة جادّةٌ فی تحذیراتها التی أطلقتها فی الأیّام القلیلة الماضیة لدولة الإمارات العربیّة المتحدة، وأنّ الأیّام المُقبِلة قد تَحمِل تطوّرات کارثیّة.

حماقات ترامب، وسُوء حِساباته، وجهلِه المُطلق بالمِنطقة، والمُتغیّرات المُتسارعة فیها والعالم بأسرِه، وأبرزها إعلان الصین عن الحرب على الدولار وهیمنته، واستثمار 400 مِلیار دولار فی إیران، ستَضَع بدایة النّهایة للعصر الأمریکیّ وغطرسته.. والأیّام بیننا.

 

رأی الیوم

Parameter:431033!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)