|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/10/17]

هل ارتکَب الإیرانیّون خطأً جسیمًا عندما أسقطوا طائرة تجسّس أمریکیّة اخترقت أجواءهم مثلَما غرّد ترامب  

هل ارتکَب الإیرانیّون “خطأً جسیمًا” عندما أسقطوا طائرة تجسّس أمریکیّة اخترقت أجواءهم مثلَما غرّد ترامب؟ وکیف سیکون الرّد الذی توعّد به ومتى؟ ولماذا نجزِم بأنّ الحرس الثوری الإیرانی استعدّ له فی إطار استراتیجیّة “هُجومیّة” مُحکَمة الإعداد؟ وما هِی مُفاجآت الأیّام المُقبلة؟

عبد الباری عطوان

عندما یرتفع سِعر برمیل النّفط فی البُورصات العالمیّة بأکثر من 6 بالمئة فی دقائقٍ معدودةٍ بعد إطلاق الرئیس الأمریکیّ دونالد ترامب تغریدة تهدیدیّة أکّد فیها “أن إیران ارتکبت خطأً جسیمًا بإسقاطها طائرة تجسّس أمریکیّة مُسیّرة فوق مضیق هرمز، وعندما تُعلن القیادة الإیرانیّة حالة التأهّب القُصوى فی صُفوف جمیع قوّاتها، فإنّ هذا یعنی أنّ احتمالات المُواجهة الأمریکیّة الإیرانیّة، محدودةً کانت أو مُوسّعةً، باتت أکبر من أیّ وقتٍ مضى وأقرب.

إذا کان الإیرانیّون ارتَکبوا خطأً جسیمًا بإسقاطهم الطائرة الأمریکیّة، فإنّ الأمریکان ارتکبوا خطأً أکبر جسامةً، وأساءوا تقدیر موقف خصمهم الإیرانی، وردوده المُتوقّعة، عندما أقدموا على إرسال هذه الطائرة، وفی منطقة حسّاسة ومُلتهبة تشهد توتّرًا غیر مسبوق، وحرب ناقلات وقصف لمطارات ومحطّات میاه وکهرباء فی عُمق أراضی الحُلفاء.

الحرس الثوری الإیرانی أعلن صباح الیوم أنّ صاروخ أرض جو أسقط طائرة تجسّس أمریکیّة بدون طیّار اخترقت الأجواء الإیرانیّة فوق مضیق هرمز، وأعلن اللواء حسین سلامی، قائد الحرس إنّ اختراق الأجواء الإیرانیّة خط أحمر، وأنّ بلاده ترفُض الخطوات الاستفزازیّة التی تمُس سِیادة البِلاد، وبغَض النّظر عن الجِهة التی تقِف خلفها، والتّفسیر الوحید، والأقصى لهذا التّهدید، أنّ المَخفی أعظم، والقادِم أکثر شراسةً.

***

مِن الواضِح أنّ القِیادة العسکریّة الأمریکیّة التی حشدت حامِلات طائرات وعشَرات السّفن الحربیّة فی منطقة الخلیج العربی اعتقدت أنّ الحرس الثوری الإیرانی لن یتصدّى لهذه الطّائرة التی اختَرقت الأجواء الإیرانیّة، تمامًا مثلما امتنعت قواته عن الرّد على غارات إسرائیلیّة قصفت مواقع عسکریّة لها داخل الأراضی السوریّة، أو أن تکون هذه الطائرة أُرسِلت کبالون اختبار لقِیاس رد الفعل الإیرانی، أو لاستِفزاز إیران ودفعها إلى إسقاطها بحثًا عن ذریعةٍ لإشعال فتیل الحرب، ولا نستبعِد أیّ من هذه الاحتِمالات.

هُناک فارقٌ کبیرٌ فی رأینا بین انتِهاک السیادة الجویّة الإیرانیّة فوق مضیق هرمز، وفی مُحافظة هرمز کان جنوب إیران، وبین قصف هدفًا إیرانیًّا فی حمص أو حماة أو اللاذقیّة فی الأراضی السوریّة حیثُ لا یتعلّق الأمر بالسّیادة الإیرانیّة وإنّما بالسّیادة السوریّة، حیث یتّسم الوجود الإیرانی بالثّانوی والمُساعد، فالمَسألة مسألة أولویّات وکیفیّة ترتیبها فی نِهایة المطاف، وهُناک تکامُل فی الحالین.

من الواضِح أنّ قرار إسقاط الطائرة الأمریکیّة فجر الیوم لم یکُن قرارًا مُفاجئًا، وإنّما فی إطار استراتیجیّة تبنّتها القِیادة العسکریّة قبل أشهر عُنوانها الأبرز والأهم  التصدّی لأیّ طائرة أو دبّابة أو صاروخ ینتهک الأراضی والأجواء الإیرانیّة، سواء کان هذا الانتِهاک أمریکیًّا أو إسرائیلیًّا، أیّ أنّ الأصبع کان موضوعًا على الزّناد فی انتظار هذا الاختِراق.

الرئیس ترامب قال فی تصریحاتٍ للصّحافیین إنّه لا یستبعد ردًّا أمریکیًّا عندما سُئِل عن موقفه إزاء على إسقاط الطائرة المُسیّرة، وقال “ستعرفون قریبًا” ولکنّه لم یُحدّد طبیعة هذا الرّد أو توقیته.

نُدرک جیّدًا ومُنذ اللّحظة الأولى لوصول أنباء إسقاط الطائرة الأمریکیّة أنّ أمریکا، والرئیس ترامب على وجه التّحدید، لن یبتلع هذه الإهانة الإیرانیّة بسُهولةٍ، وسیصدُر أمرًا إلى قیادته العسکریّة بالرّد الفوری، ویظل السؤال لیس متى سیکون هذا الرّد، فقد یحدُث فی أیّ لحظة، وإنّما کیف سیکون هذا الرّد وأین؟

هُناک عدّة أماکن مُرشّحة لکیّ تکون هدفًا للرّد الانتقامی الأمریکی مِثل مطارات أو سُفن أو مواقع عسکریّة فی العُمق الإیرانی فی المرحلة الأولى على الأقل، الأمر الذی یطرح سُؤالًا آخَر یتفرّع عن السّؤال الأوّل وهو کیف سیکون الرّد الإیرانی على الرّد الأمریکیّ فی هذه الحالة: الصّمت وامتِصاص هذا العُدوان والقُبول بالمساعی الدولیّة التی ستتکثّف سعیًا للتّهدئة ووقف إطلاق النّار، أو أنّ ستُبادر إیران بردٍّ أقوى مِثل قصف سُفن وحملات طائرات وقواعد أمریکیّة فی مِنطقة الخلیج؟

لا نملک إجابات لهذه الأسئلة الافتراضیّة، ولکن ما یُمکن أن نتکهّن به، سواء من خلال ما یتوفّر لنا من معلوماتٍ، أو من خلال قراءة ما بین سُطور الأحداث، أن المِزاج القِیادی الإیرانی لیس مزاجًا استسلامیًّا، ولا نستغرِب ردًّا مُؤلمًا ومُوجعًا للطّرف الأمریکیّ المُعتدی، اللهمّ إلا إذا حمل الوسطاء الدولیین عرضًا برفع الحِصار وعودة أمریکا إلى الاتّفاق النووی الذی انسحبت منه، وهذا احتمال یظل ضئیلًا فی ظِل المناخ العام المتوتر حالیًّا.

حُلفاء أمریکا الإسرائیلیّون والعرب المرعوبون من إیران وأذرع حُلفائها العسکریّة الصاروخیّة الضّاربة، استغلّوا غباء الرئیس ترامب وورّطوا أمریکا فی خوض حرب ستخرُج منها مُثخّنة الجِراح، وبخسائر عسکریّة ومادیّة ومعنویّة باهِظة التّکالیف، وتتواضع أمامها نظیراتها فی العِراق وأفغانستان وربّما فیتنام أیضًا.

احتِلال أمریکا للعراق لم یُزله من الخریطة، وغزو أمریکا لأفغانستان، وتغییر النّظام فیها لم یمنع عودة حرکة طالبان أقوى من قبل، وسبعة سنوات من الحرب والقصف والمُؤامرات فی سوریة جاءت بنتائج عکسیّة تمامًا، وأزَمات المُتدخّلین باتت إضعاف أزَمَة النّظام الذی أرادوا تغییره، إیران ستبقى مکانها، ولکن هل ستبقى أمریکا فی المِنطقة؟ وکیف سیکون حال حُلفائها العرب والإسرائیلیین؟

***

السّاعات المُقبلة ستکون عصیبةً ومُتوتّرةً، وحافلةً بالمُفاجآت، ولا نستبعِد اندلاع شرارة الحرب الکُبرى التی قال السیّد حسن نصر الله فی آخِر خِطاباته أنّها لن تکون محصورةً داخِل الحُدود الإیرانیّة فقط، وستَحرِق المِنطقة بأسرها.

الإیرانیّون لن یترکوا حِصارات ترامب، ومنع صادِراتهم النفطیّة تقتلهم جُوعًا ومهانةً وإذلال، وهذا ما لم یفهمه الرئیس الأمریکی، ولن یفهمه حتّى یُشاهد کیفیّة رد هؤلاء وآثاره على قوّاته وسُفنه وقواعده ومُدن حُلفائه ومطاراتهم ومحطّات میاههم وکهربائهم.

تخیّلوا فقط انقِطاع الکهرباء فی صیفٍ خلیجیٍّ قائِظٍ تصِل درجة الحرارة فیه إلى 55 درجة مئویّة فی الظّل، وأحوال أُناس یعیشون فی عمارات زجاجیّة تتحوّل إلى أفران.. فقط تخیّلوا.. والأیّام بیننا.

 

رأی الیوم

Parameter:416682!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)