|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/07/30]

هل سیُسجِّل فیروس کورونا بدایة العد التنازلی لانهِیار الإمبراطوریّة الأمریکیّة؟  

هل سیُسجِّل فیروس کورونا بدایة العد التنازلی لانهِیار الإمبراطوریّة الأمریکیّة؟ ولماذا لا نحتاج لصحیفة “الواشنطن بوست” لتَزُف لنا هذه البُشرى؟ وما أوجه الشّبه بین أمین عام الأمم المتحدة غوتیریش ونظیره العربیّ أبو الغیط؟

هل سیُسجِّل فیروس کورونا بدایة العد التنازلی لانهِیار الإمبراطوریّة الأمریکیّة؟ ولماذا لا نحتاج لصحیفة “الواشنطن بوست” لتَزُف لنا هذه البُشرى؟ وما أوجه الشّبه بین أمین عام الأمم المتحدة غوتیریش ونظیره العربیّ أبو الغیط؟

عبد الباری عطوان

وجّه أنطونیو غوتیریش، الأمین العام للام المتحدة، نداءً أمس بوقفٍ فوریٍّ لإطلاق النّار فی مُختلف أنحاء العالم لترکیز الجُهود على مُکافحة وباء “الکورونا” القاتل، وإنقاذ الشّعوب التی تجری الحُروب على أرضها من أخطاره.

السیّد غوتیریش، ومثل نظیره أحمد أبو الغیط، أمین عام جامعة الدول العربیّة، أطلق نداءه هذا دون أن یُحدِّد الجهة التی تقف خلف مُعظم أو کُل هذه الحُروب، وتُموّلها بالمال والعتاد، وتَفرِض الحِصارات والعُقوبات، لأنّه یخشى على نفسه ومنصبه، وهو الذی تجاوز السّبعین من عُمره، ولا یملک الجُرأة لتسمیة الأُمور بأسمائها دون خوفٍ فی المرحلة الحَرِجَة فی تاریخ البشریّة.

فالولایات المتحدة هی التی غزَت العِراق واحتلّته، وهی التی قادت حلف النّاتو لتدمیر لیبیا وتحویلها إلى دولةٍ فاشلة، وتقف خلف الحرب الأهلیّة الدائرة حالیًّا فیها، والرئیس دونالد ترامب اعترف بعظمة لسانه أنّه أنفق 90 مِلیار دولار فی سوریة، ویَسرِق نفطها، ویُوظِّف عوائده فی تمویل جماعات انفصالیّة وإرهابیّة، ولا نَستبعِد صحّة الاتّهامات الصینیّة بأنّها تَقِف خلف انتِشار هذا الفیروس.

کنّا نتمنّى لو أنّ امین عام الأمم المتحدة قد طالب أیضًا بإنهاء الحِصارات والعُقوبات الاقتصادیّة التی تُجوِّع عشَرات الملایین فی بُلدان عدیدة، وخاصّةً إیران وسوریة وقِطاع غزّة، عُقوبات تشمل إغلاق الحُدود ومنع استِیراد کُل شیء بِما فی ذلک الأدویة، بِما یُؤدِّی إلى استِشهاد الملایین مثلما حصل فی العِراق فی مرحلةِ التّسعینات من القرن الماضی، فکیف تستطیع هذه الدول المُحاصَرة أن تُواجِه هذا الوباء، وتتصدّى له، وتُنقِذ مُواطنیها من فتکه وهی بالکاد تُوفِّر وجبه طعام واحدة فی الیوم لمُواطنیها، وتتجمّد أموالها فی المصارف الغربیّة، ولا تستطیع استِیراد الأسبرین.

فیروس کورونا خطیرٌ لا شکَّ فی ذلک، وتتطلّب مُکافحته تعاون العالم بأسره، ولکنّه یظل أرحم بکثیرٍ من حُروب أمریکا، وفی مِنطقتنا الشرق أوسطیّة على وجه الخُصوص، وهی الحُروب التی أدّت إلى مقتل الملایین، وتشرید أضعاف هذا الرّقم عشَرات المرّات، ولعلّ الجانب الإیجابی منه، رغم کُل ذلک، أنّه ربّما یکون السّبب الأبرز لوضع بدایة النّهایة للإمبراطوریّة الأمریکیّة، وتخلیص العالم من شُرورها وحُروبها.

***

لا نحتاج إلى صحیفة “الواشنطن بوست” الأمریکیّة لکیّ تُبلِغنا فی افتتاحیّة عددها الصّادر الیوم بأنّ الأضرار الجسیمة التی ألحقها هذا الفیروس بالحیاة والاقتصاد الأمریکیین قد تُؤشِّر إلى تراجعِ القیادة الأمریکیّة للعالم، فعندما تفتقد القیادة الحدّ الأدنى من الإنسانیّة، وتُدیر ظهرها لمصائب أقرب النّاس إلیها، ولا تُقدِّم “قناعًا” واحدًا لمُساعدة الملایین من المُتضرِّرین من هذا الوباء وهی الدّولة الأقوى والأعظم والأغنى فی العالم، فلا أسَف علیها وقِیادتها، فقد سقطت فی أوّل وأهم اختبار إنسانی.

العظَمَة لا تأتی بالقتل والحُروب، وتجارة السّلاح، والابتزاز والحِصارات، إنّما بالأخلاق ونشر قیم العدالة والإنسانیّة، والوقوف إلى جانب الضّعفاء، ونُصرة المظلومین، وجمیعها مآثٌر وسُلوکیّاتٌ لا مَکان لها فی القاموس الأمریکیّ، بطبیعته القدیمة والجدیدة.

لم نسمع أو نقرأ، أنّ الحُکومة الأمریکیّة أرسلت شوال أرز واحدًا إلى قطاع غزّة، أو المواد الکیماویّة اللّازمة لعلاج المجاری وتنقیة المیاه، أو بعثة طبیّة واحدة لعِلاج حالات الکولیرا المُتفشّیة فی الیمن وتحصد الأرواح، وأمراض فقر الدم فی مخیّمات اللّاجئین السوریین على جانبیّ الحُدود الترکیّة السوریّة، وملایین الجَوعى فی العِراق أثناء الحِصار، وفی مناطق حرکة الطالبان فی أفغانستان، ولکنّنا قرأنا وسَمِعنا عن صفقات الأسلحة، والطائرات الأمریکیّة المُسیّرة التی أُستُخِدمَت وتُستَخدم فی قصف الأعراس ومجالس العزاء والمدارس وریاض الأطفال، مِثلَما سمعنا أیضًا عن الیورانیوم المنضب الذی استخدمته بالقذائف الأمریکیّة فی حرب العِراق، ونشر أمراض السرطان، وأدّى إلى وِلادة جیل من الأطفال المُشوّهین.

نعم.. نحن لا نکن أیّ ود للإدارات الأمریکیّة المُتعاقِبة وسیاساتها الوحشیّة، ولیس للشّعب الأمریکی، فکیف لا وهی التی تُمارس أبشع أنواع العُنصریّة ضدّنا، وتدعم حکّام أعداء الإنسانیّة فی بلادنا، وتسرق مِئات المِلیارات من ثرواتنا، سواءً بشکلٍ مُباشر أو غیر مُباشر، من خِلال أوامرها بخفض أسعار النفط، وبیع صفقات أسلحة انتهى عُمرها الافتراضی، لإنقاذ اقتِصادها، وتوفیر الوظائف لعاطِلیها.

فیروس “کورونا” فضح العنصریّة الرسمیّة الأمریکیّة، وفشل أنظمتها الصحیّة، مثلما فضَح أنانیّتها، وعدم اهتِمامها بمُعاناة الآخرین، فبینما تتوافد الطائرات الصینیّة والروسیّة إلى مطارات إیران وإیطالیا وإسبانیا وفرنسا مُثقلةً بالمعدّات الطبیّة والخُبراء، یُغلِق الرئیس ترامب أجواء بلاده مع أوروبا، ومُعظم دول العالم، ویَرصُد مبلغ 100 مِلیون دولار لمُساعدة الدول المُتضرّرة، وهل أقل بکثیر من المبالغ التی دفعها لنِساء لإسکاتهنّ، ومنعهنّ من الحدیث عن فضائحه، وتمنعنا قیمنا وعقیدتنا وتربیتنا من الخوض فی التّفاصیل أکثر.

***

فإذا کانت حرب السویس والعُدوان الثّلاثی البریطانی الفرنسی الإسرائیلی تُؤرِّخ لانهِیار الإمبراطوریّة البریطانیّة التی کانت لا تغیب عنها الشّمس، فإنّ فیروس کورونا قد یُسَجِّل بَدء العد التنازلیّ لنِهایة الإمبراطوریّة الأمریکیّة، أو هکذا نأمل.. “تفاءلوا بالشّیء تَجِدوه”.

شُکرًا للصین وروسیا.. شُکرًا لدولة کوبا الصّغیرة مساحةً الکبیرة إنسانیّةً أیضًا، على کُل ما قدّموه ویُقدِّمونه من مُساعدات للمُتضرِّرین من هذا الوباء، ففی اللّحظات الصّعبة تظهر القیم الأخلاقیّة، وتَسقُط الأقنعة عن الوجوه الفاقِدة لماء الحیاء وقیم التّکافل الإنسانیّ، وإنّما الأُمم الأخلاق..

 

رأی الیوم

Parameter:454270!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)