|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/10/30]

هل یستطیع دونالد ترامب بناء ائتلاف دولی للحرب على إیران؟  

هل یستطیع دونالد ترامب بناء ائتلاف دولی للحرب على إیران؟

یولیو - 2019

إبراهیم نوار

الرئیس الأمریکی یبدو متخبطا، مضطربا، وغیر متوازن ویعانی من فقدان الاتجاه فی المواجهة التی بدأها مع إیران. دونالد ترامب قرر بمفرده الانسحاب من الاتفاق النووی فی مایو 2018، ثم أعاد فرض کل العقوبات السابقة التی کانت مفروضة ضد إیران، ثم قرر مواصلة التصعید بفرض عقوبات جدیدة، تتضمن حظرا شاملا على صادرات النفط الإیرانی، وتهدید بقیة دول العالم بما فیها القوى الرئیسیة الموقعة على الاتفاق بعقوبات ثانویة، فی حال التعامل مع إیران أو مساعدتها فی تصدیر النفط، ثم دعا إلى «اجتماع حرب» فی البیت الأبیض یوم الخمیس 20 یونیو، ثم تراجع عن شن ضربات عسکریة ضد إیران یوم الجمعة 21 یونیو، ثم دعا إیران إلى التفاوض بدون شروط مسبقة، وتقدیم وعود لقیادتها بأن تکون «إیران عظیمة من جدید»، وأن یصبح هو «أفضل صدیق لإیران فی العالم». ثم قرر شن حرب إلکترونیة ضد دفاعات إیران العسکریة فی الیوم نفسه، ثم أرسل وزیر خارجیته، ومستشاره للأمن القومی إلى الشرق الأوسط فی بدایة الأسبوع، لاستطلاع إمکان بناء ائتلاف عسکری مع أعداء إیران فی المنطقة. هذا التخبط فی مواقف الرئیس الأمریکی جعل عددا من خبراء الأمن القومی فی الولایات المتحدة نفسها، یحذر من خطورة نهجه على الأمن القومی الأمریکی.
نحاول الإجابة على ثلاثة أسئلة رئیسیة، الأول، هل تستطیع الولایات المتحدة بمفردها شن حرب عسکریة على إیران؟ الثانی، هل یغامر ترامب بشن حرب مفتوحة، بینما عام الانتخابات الرئاسیة یقترب؟ الثالث، هل یستطیع ترامب إقناع القوى الرئیسیة فی العالم، بمن فیها من الحلفاء ومن الخصوم، بالانضمام للولایات المتحدة فی حرب ضد إیران؟
لم تعد الولایات المتحدة الدولة القویة التی کانت بعد الحرب العالمیة الثانیة؛ فبعد أن وضعت الحرب أوزارها تولت أمریکا تمویل إعادة بناء أوروبا الغربیة، التی دمرتها الحرب، وتصمیم نظام دفاعی بقیادتها، مستعینة بفائض القوة التی تمتعت به فی ذلک الوقت. الآن، تفتقر الولایات المتحدة إلى هذا الفائض الذی کان؛ فهی فی اشتباک مع حلفائها داخل حلف الأطلنطی، تطالبهم بزیادة نسبة تحملهم لتکالیف الدفاع، وتعانی من عجز مزدوج مالی وتجاری، یتحمل العالم تمویله. قد تستطیع الولایات المتحدة شن حرب على إیران، لکنها لا تستطیع ضمان نتیجة هذه الحرب، وتلک هی المعضلة التی تواجه القوة الأمریکیة حالیا.
ترامب اخترع قصة بلهاء لتبریر تراجعه عن العملیة العسکریة ضد إیران، وقال ما معناه أن ضمیره لم یقبل أن تتسبب الضربة فی ضحایا إیرانیین قد یصل عددهم إلى 150 شخصا! هذا تبریر أبله، فی محاولة لإخفاء الضعف وعدم القدرة. نائب الرئیس مایک بنس قال فی حوار مع «سی أن أن»، إن قرار ترامب یعکس «القدرة على ضبط النفس» التی یفضل الأمریکیون أن یتحلى بها الرئیس. ولکن حتى لا یختلط الأمر فإن بنس حذر الإیرانیین من إساءة فهم قرار ترامب ، مؤکدا أن «قرار الحرب ما یزال مطروحا على المائدة».
الحقیقة أن تراجع ترامب لا یعکس موقفا أخلاقیا، وإنما یعکس هلعا من أی مواجهة مع إیران، لأن مثل هذه المواجهة، وقتما بدأت، لن تظل أبدا داخل نطاق السیطرة، وإنما ستمتد نیرانها لتشعل منطقة ملیئة ببرامیل البارود والألغام. ونظرا لأن الولایات المتحدة لن تستطیع السیطرة على تداعیات الحرب، فإن ترامب اختار طریق الانحناء للعاصفة، ومحاولة امتصاص الموقف، لعل الأحداث تمده بعون یساعده على محاولة ترمیم موقفه من جدید.

الولایات المتحدة لن تجد من السهل على الإطلاق بناء ائتلاف عسکری دولی للحرب على إیران

وتکشف قراءة وثیقة «إستراتیجیة الأمن القومی الأمریکی» الصادرة فی دیسمبر 2017 أن الرئیس الأمریکی وإن کان یصنف إیران على أنها أکبر دولة راعیة للإرهاب فی العالم، ویتهمها بالعمل على بناء قدرات نوویة وصاروخیة لتهدید استقرار المنطقة، فإن السیاسات الواردة فی الاستراتیجیة بخصوص إیران، تسیر کلها فی اتجاه «بناء ائتلاف» مع أصدقاء الولایات المتحدة فی المنطقة، لمساعدتهم سیاسیا واقتصادیا وعسکریا على مواجهة إیران، والاحتفاظ بقوة عسکریة لحمایة مصالح الولایات المتحدة، والمساعدة فی الدفاع عن مصالح حلفائها. ولا تتضمن الاستراتیجیة سطرا واحدا یشیر إلى احتمال أن تقوم الولایات المتحدة بمفردها بعمل عسکری ضد إیران. التصریح الذی أطلقه بومبیو من واشنطن قبل أن یغادر إلى الشرق الأوسط، أعاد التأکید على هذا الموقف. بومبیو قال: «سنتحدث مع السعودیة والإمارات بخصوص ضمان المواءمة بین مواقفنا الاستراتیجیة، وکیف یمکننا بناء ائتلاف عالمی، تحالف یتفهم هذا التحدی (فی مواجهة إیران)».
وعلى الرغم من الحماس الذی أبداه بومبیو وبولتون وجاسبیل فی اجتماع البیت الأبیض 20 یونیو، لشن ضربات عسکریة متزامنة ضد مواقع وأهداف عسکریة فی جنوب غرب إیران، فإن تحذیرات أطلقها عدد من القیادات العسکریة أثارت قلق ترامب/ ما دعاه إلى تلفیق قصة تجنب إراقة دماء الأبریاء. وربما یکون قرار القیادة الإیرانیة بعدم إسقاط طائرة تجسس أمریکیة تحمل طاقما یضم 35 عسکریا تقریبا، هو الذی أوحى إلى ترامب بتألیف قصته! فی الإجابة عن السؤال الأول نقول، إن الولایات المتحدة وإن کانت تملک مقومات القوة الکافیة لشن حرب بمفردها على إیران، إلا أن مثل هذه الحرب ستخرج حتما عن نطاق السیطرة، بما یتجاوز قدرة القوة الأمریکیة على احتوائها، وستشعل المنطقة کلها، وربما تقود إلى تغییر قواعد اللعبة العسکریة على المستوى العالمی، للمرة الأولى منذ نهایة الحرب الباردة.
ولتأکید ما نقوله، نشیر فقط إلى المأزق الذی یواجهه دونالد ترامب فی فنزویلا، التی تقع ضمن نطاق منطقة النفوذ الأمریکی جیوسیاسیا واستراتیجیا، ولم یتمکن حتى الآن من تحقیق انتصار یذکر على خصمه اللدود مادوروا، غیر الإمعان فی تجویع شعب فنزویلا وإذلاله. فکیف یکون للولایات المتحدة العاجزة عن حسم صراع فی منطقة نفوذها بالقوة المسلحة، أن تحسم وحدها بالقوة المسلحة صراعا یبعد عنها آلاف الأمیال؟
یمیل ترامب إلى اتخاذ قرارات مصیریة بنفسه، وبدون دراسة کافیة. وربما کان تصعید حملاته ضد الصین وفنزویلا وکوبا وکوریا الشمالیة وإیران فی هذا الوقت، ضمن حسابات بأن تحقیق انتصار أو الحصول على تنازلات من الطرف الآخر فی أی منها، سیدعم حملته لتجدید انتخابه لفترة رئاسیة جدیدة. وقال قبل أیام، إن خسارة هذه الانتخابات لیس احتمالا مطروحا بالنسبة له، وهذا یعنی أنه یسعى للفوز برصید سیاسی کاف یرفع شعبیته ویفتح أمامه الطریق للفوز، لکنه بعد أن أدرک أنه وقع فی حسابات خاطئة، أعلن تعلیق سیاسة ترحیل المهاجرین مؤقتا، وصمت عن خطة بناء الجدار العازل بین الولایات المتحدة والمکسیک، وتراجع عن فرض رسوم جمرکیة إضافیة علی صادراتها، وعاد مرة ثانیة لسیاسة الغزل مع کوریا الشمالیة، ویحاول فی الوقت نفسه إعادة بناء جسور الثقة مع الصین. فی هذا السیاق جاء قراره بتجمید قرار الحرب ضد إیران، الذی کان قد تم التوصل له مساء یوم 20 یونیو، على أن تکون الضربة فی فجر الیوم التالی 21 یونیو، أی بعد انتهاء اجتماع الحرب فی البیت الأبیض بساعات قلیلة. خصوم ترامب من الدیمقراطیین، انتهزوا الفرصة، وهاجموا سیاساته بقسوة فی الأیام التالیة لقرار تعلیق الحرب. بیرنی ساندرز اتهم ترامب بإشعال حریق فی صندوق ملیء بالورق، ثم یستجدی التعاطف معه بحجة أنه قام بإطفاء ذلک الحریق! السیناتور کوری بوکر اتهم سیاسة ترامب الخارجیة بأنها لا تقوم على أی استراتیجیة، ووصفها بأنها تشبه برامج الواقع الافتراضی التلفزیونیة، التی یحاول المخرج إدخال الکثیر من العناصر الدرامیة فیها، بغرض زیادة المشاهدة! السیناتور إلیزابیث وارین قالت: «لا أحد یعرف على وجه التحدید ما هی الخطوة التالیة فی أی سیاسة خارجیة أمریکیة، بما فی ذلک ترامب نفسه»! فی تأکید على تخبط الرئیس الحالی وتأرجح مواقفه. فی عام الانتخابات یحتاج الرئیس الذی یسعى لإعادة انتخابه إلى أخبار إیجابیة، وإلى تطورات تؤکد صواب سیاسته ولیس العکس. هذا لیس الحال الآن، لا فی ما یتعلق بأزمة الولایات المتحدة مع إیران، ولا غیرها من الأزمات التی أشعلها الرئیس. ومن ثم فإن المغامرة بشن حرب على إیران فی عام الانتخابات هی بلا شک محفوفة بمخاطر ضخمة، قد تکلف ترامب فرصة انتخابه رئیسا للولایات المتحدة لفترة ثانیة، إلا إذا ضمن الرئیس إخراج عمل عسکری لا قیمة له، بطریقة درامیة مسرحیة، وأن یکذب فی وصفه انتصارا کبیرا! فی الإجابة على السؤال الثانی نقول، إن الدخول فی مواجهة عسکریة مع إیران، مغامرة محفوفة بالمخاطر، بعد أن أطلق ترامب حملته الانتخابیة فعلا، وعام الانتخابات الرئاسیة یقترب.
منذ نهایة الحرب الباردة تغیرت العقیدة العسکریة الأمریکیة، فیما یتعلق بخوض الحروب، وأصبح دخول الحرب بشکل منفرد أمرا مستبعدا، وحل بدلا من ذلک دخول الحروب بعد بناء تحالف أو ائتلاف عسکری یضم قوى کثیرة بقیادة الولایات المتحدة. وعلى أساس هذه الاستراتیجیة الجدیدة شارکت الولایات المتحدة فی حروب البلقان فی تسعینیات القرن الماضی، ثم فی حرب أفغانستان، ثم حرب الخلیج لتحریر الکویت، ثم حرب احتلال العراق، ثم الحرب على الإرهاب فی سوریا والعراق. الآن لا یختلف الوضع بالنسبة لإیران. هل یستطیع ترامب إقناع القوى الرئیسیة فی العالم بمن فیها الحلفاء والخصوم، بالانضمام للولایات المتحدة فی حرب ضد إیران؟ هذا هو السؤال الثالث المحوری فی محاولة استقصاء قدرة الولایات المتحدة فی شن حرب على إیران. الولایات المتحدة لم یعد لدیها فائض القوة الذی کان، والرئیس الأمریکی یواجه مأزقا سیاسیا فی عام الانتخابات، ومن ثم فقد تکون المساعدة من صدیق هو تذکرة الدخول إلى الحرب التی یریدها ترامب وتجار الحرب المحیطون به، لکن حظوظ ترامب فی الحصول على مساعدة من صدیق تضاءلت کثیرا خلال العامین الأخیرین، خصوصا بعد أن شمل حلفاءه بممارساته التجاریة العدائیة، واشتبک معهم فی نزاعات مکشوفة، بشأن أعباء الدفاع. أما خصومه، فإن هذه الممارسات العدائیة وحدتهم ضد سیاسته أکثر من أی وقت مضى. ورغم محاولة إسرائیل مساعدة ترامب فی جمع حلفاء له (الهند على سبیل المثال) فإن ممارساته العدائیة دمرت هذه المحاولات (فرض رسوم تجاریة إضافیة على الهند أیضا یقدم مثالا). وتقف الدول الموقعة على الاتفاق النووی مع إیران موقفا متشککا من قدرة الرئیس الأمریکی على الالتزام بسیاسة محددة، بما فی ذلک بریطانیا أقرب الحلفاء. الآراء فی وزارة الخارجیة البریطانیة تنصرف إلى ضرورة العمل على تهدئة الموقف، ونزع فتیل الأزمة بین واشنطن وطهران، ولذلک تم تکلیف الوزیر المسؤول عن الشرق الأوسط بالتوجه إلى طهران، بغرض استطلاع الموقف عن قرب، والحدیث مباشرة إلى القیادات السیاسیة هناک، ومحاولة العودة إلى ما کان علیه الوضع فی مایو قبل بدء تفجیر الناقلات فی میناء الفجیرة. وتبدو القوى الرئیسیة فی العالم الغربی، بما فی ذلک ألمانیا وفرنسا، متشککة فی مصداقیة مواقف وسیاسات الرئیس الأمریکی، وحریصة حتى لا تتورط فی صراعات مسلحة، تقود إلى أضرار یصعب علاجها فیما بعد.
وبالنسبة لإیران، فإن أی مواجهة عسکریة، ستکون لها تداعیات حادة على أسواق النفط، وعلى توازن القوى العالمی، نظرا لارتباط المصالح بینها وبین کل من روسیا والصین. وقد أعلنت روسیا بوضوح أنها ستساعد إیران لمواجهة العقوبات الأمریکیة؛ فروسیا نفسها تعانی من العقوبات. الصین أیضا أعربت عن رفضها للعقوبات الأمریکیة، وأعلنت بوضوح أنها ستستمر فی استیراد النفط، رغم تهدیدات الولایات المتحدة بفرض عقوبات ثانویة على الدول التی تستورد النفط والغاز والخامات المعدنیة من إیران. وبعد الإعلان عن الهجوم الإلکترونی (السیبرانی) من جانب الولایات المتحدة ضد إیران، شجبت الصین هذا الاعتداء بقوة، وقال معلقون فی الصحف التابعة للحزب الشیوعی، إن هذا یمثل عینة من الممارسات العدوانیة الأمریکیة، التی تؤکد أن عدوان الولایات المتحدة على خصومها یمکن أن یمتد إلى أوسع المجالات، وألا یقتصر على الأعمال العدائیة العسکریة فقط.
المحصلة هی أن الولایات المتحدة لن تجد من السهل على الإطلاق بناء ائتلاف عسکری دولی للحرب على إیران. ومن ثم فإن مهمة بومبیو فی الشرق الأوسط، وکذلک جون بولتون لإقامة مثل هذا الإئتلاف ستبوء بالفشل، إلا فیما یتعلق بالحصول على دعم مالی من کل من السعودیة والإمارات، مقابل وعود بالدفاع عنها فی مواجهة الخطر الإیرانی، وهو الخطر الذی تسعى الولایات المتحدة إلى تضخیمه والمبالغة فیه، وتحویله إلى فزاعة تقوم على أساسها سیاسات إقلیمیة عدائیة لا تسلم منها المنطقة لسنوات عدیدة مقبلة.
ومع أن الإجابات على الأسئلة الثلاثة التی طرحناها تشیر إلى صعوبة أن تقوم الولایات المتحدة بشن حرب على إیران، فإن تلک الحرب التی لم تقع بالأمس یمکن أن تقع فی الغد، إما بسبب أخطاء عارضة، کما قال وزیر الخارجیة البریطانی جیریمی هانت، أو بسبب حسابات حمقاء خاطئة، یعتمد علیها دونالد ترامب. ومن ثم فإن أعین حماة الحدود الإیرانیة ینبغی أن لا تنام أو أن تغفل.
کاتب مصری

 


القدس العربی

Parameter:418821!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)