|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/08/04]

کورونا والأمن القومی الإسرائیلی  

تْجمع مراکز الأبحاث والدراسات الإسرائیلیة على أن منطقة الشرق الأوسط لن تعود بعد جائحة کورونا کما کانت قبلها، فبالإضافة إلى الإجراءات التی اتخذتها لمواجهة انتشار الوباء، تتابع إسرائیل عن کثب ما یحدث فی دول المنطقة، وتداعیات کورونا على استقرار تلک الدول وآثارها الآنیة والبعیدة على إسرائیل، خصوصا أن الوباء ضرب المنطقة فی وقت تمر فیه معظم الدول العربیة بظروف اقتصادیة وسیاسیة صعبة. تتابع الدوائر الاستخباراتیة الإسرائیلیة ما یحدث فی کل دولة، ویتم نقاشه ودراسته من کل الجوانب فی مجلس الأمن القومی، التابع لمکتب رئیس الحکومة، بنیامین نتنیاهو، وترجح تلک الدراسات انهیار أنظمة وتراجع أخرى بسبب الفیروس. 

کورونا والأمن القومی الإسرائیلی

عادل شدید

26 مارس 2020

تْجمع مراکز الأبحاث والدراسات الإسرائیلیة على أن منطقة الشرق الأوسط لن تعود بعد جائحة کورونا کما کانت قبلها، فبالإضافة إلى الإجراءات التی اتخذتها لمواجهة انتشار الوباء، تتابع إسرائیل عن کثب ما یحدث فی دول المنطقة، وتداعیات کورونا على استقرار تلک الدول وآثارها الآنیة والبعیدة على إسرائیل، خصوصا أن الوباء ضرب المنطقة فی وقت تمر فیه معظم الدول العربیة بظروف اقتصادیة وسیاسیة صعبة. تتابع الدوائر الاستخباراتیة الإسرائیلیة ما یحدث فی کل دولة، ویتم نقاشه ودراسته من کل الجوانب فی مجلس الأمن القومی، التابع لمکتب رئیس الحکومة، بنیامین نتنیاهو، وترجح تلک الدراسات انهیار أنظمة وتراجع أخرى بسبب الفیروس. 

وکانت الدوائر المختلفة، مع اکتشاف أول إصابات بفیروس کورونا فی إسرائیل، قد بدأت بخطةٍ بدا أنها ترجمة لاستراتیجیة صیغت لمواجهة الوباء قبل فقدان السیطرة علیه، مستفیدة مما حدث فی أکثر من دولة، لا سیما الصین وإیران وإیطالیا، وتضمنت الاستراتیجیة معظم الجوانب ذات الصلة بتماسک الدولة ومؤسساتها، کما الحفاظ على المناعة الفردیة والمجتمعیة للمجتمع الإسرائیلی، حیث تمت صیاغة الاستراتیجیة وکأن إسرائیل مقبلة على حرب کبیرة، فقد بدا واضحا الدور الکبیر للجیش الإسرائیلی وللمؤسسات الإعلامیة والاقتصادیة، کما الدور البارز لرئیس الحکومة، وبطبیعة الحال لوزارة الصحة.
اقتصادیاً، تزامن وصول الوباء إلى إسرائیل وهی تشهد وضعا اقتصادیا قویا، من حیث زیادة الإنتاج، والناتجین القومی والفردی، ومعدلات الدخل العالیة مقارنة بأغلبیة دول المنطقة، کما نسبة البطالة المتدنیة. وبسبب مرکزیة الاقتصاد وأهمیته فی إسرائیل، خصوصا أنه سیکون أول ضحایا وباء کورونا، بسبب تعطل مرافق اقتصادیة وإنتاجیة وسیاحیة کثیرة، وارتفاع نسبة البطالة، حیث خسر أکثر من مائة ألف إسرائیلی أماکن عملهم فی الأسبوع الأول من انتشار الوباء. ومن أجل  

"تؤکد المستویات السیاسیة والعسکریة، وحتى الصحیة، على مرکزیة المؤسسات والأجهزة الأمنیة الإسرائیلیة فی الحرب على کورونا"

منع انهیار الاقتصاد الإسرائیلی، قللت الحکومة ومؤسسات مالیة واقتصادیة نسبة الفوائد على القروض الممنوحة للمواطنین، وشجعت الاقتصاد المنزلی، وطلبت من العمال الذین فقدوا أماکن عملهم التسجیل فی مؤسسات التأمین الوطنی لاستلام مخصصات البطالة، وذلک للحفاظ على الاقتصاد الإسرائیلی من الانهیار، على قاعدة اعتباره أحد عناصر المناعة الإسرائیلیة فی مرحلةٍ لا یعلم أحد ما بعدها. وقد تعطلت الحیاة التعلیمیة والأکادیمیة فی کل المؤسسات الإسرائیلیة، بالتزامن مع الزیادة المضطردة فی حالات الإصابة بالفیروس، على الرغم من الإجراءات التی اتخذتها الحکومة ووزارة الصحة من إغلاق تام للسیاحة والفنادق ومنع السفر وفرض الحجر الصحی على عشرات الألوف من الإسرائیلیین.
أمنیاً، کان لافتا من البدایة الدور الوظیفی الذی ألقاه رئیس الحکومة، نتنیاهو، على المؤسسات والأذرع الأمنیة المختلفة، وفی أول کلمة له إلى المجتمع الیهودی عن انتشار الوباء، وعد ببذل کل الجهود للحیلولة دون نجاح الوباء من شل الحیاة. وقال إن سلاح الجو الإسرائیلی سیحل محل النقل والشحن الجوی والبحری للبضائع، لمنع حدوث أی نقص فی السلع من جهة، وللحفاظ على عجلة الاقتصاد فی الجانب الآخر. وأضاف نتنیاهو، فی الحدیث نفسه، إن الجیش الإسرائیلی سیقوم بتعقیم الحافلات العامة والقطارات والمؤسسات العامة وتطهیرها، وظهر واضحا اهتمامه بدور الجیش الإسرائیلی فی حرب کورونا.
وکان وزیر الدفاع الإسرائیلی، نفتالی بینیت، قد أعلن، فی العاشر من شهر مارس/آذار الجاری، أن وزارته استدعت حوالی ألفی جندی إسرائیلی من الاحتیاط دفعة أولى، لینضموا إلى الأطقم العاملة فی محاربة فیروس کورونا، خصوصا أن لاستدعاء الاحتیاط وقعا صعبا وخاصا على المجتمع الإسرائیلی الذی اعتاد على سماع استدعاء الاحتیاط فقط فی الحروب العسکریة. ولم تمض أیام قلیلة حتى أعلن نتنیاهو أنه سیکلف جهاز المخابرات العامة (الشاباک) بمراقبة حاملی الفیروس عبر وسائل التکنولوجیا الحدیثة، على الرغم من حظر محکمة العدل العلیا الإسرائیلیة ذلک قبل سنوات، إلا بعد تمریر ذلک بتشریعات وقوانین فی البرلمان (الکنیست)، ثم موافقة شخصیة من صاحب الشأن.
وأعلنت وسائل إعلام إسرائیلیة، فی صبیحة 19 مارس/آذار الحالی، أن جهاز المخابرات الخارجیة (الموساد) قام بتهریب مائة ألف جهاز فحص فیروس کورونا من دولة عربیة خلیجیة لا تقیم علاقات دبلوماسیة مع إسرائیل، و"الموساد" هو المسؤول عن تنفیذ آلاف عملیات الاغتیال  

"جهاز المخابرات الخارجیة (الموساد) قام بتهریب مائة ألف جهاز فحص فیروس کورونا من دولة عربیة خلیجیة"

والخطف لناشطین وعلماء وخبراء من معظم الدول، وإشراکه فی مواجهة فیروس کورونا یعطی المؤسسة الأمنیة أهمیة کبرى فی الوعی الجمعی للمجتمع الیهودی، خصوصا فی ظل مرحلة مصیریة تعیشها إسرائیل مع انتشار وباء کورونا. وبعد ذلک الإعلان بساعات قلیلة فقط، أعلن رئیس أرکان الجیش الإسرائیلی، أفیف کوخافی، عن البدء بحملة عسکریة أسماها "شعاع النور"، والتی تضمنت جملة من القرارات العسکریة، حیث أعلن عن دخول وحدات من السلاح البیولوجی والجرثومی الإسرائیلی للانضمام للحرب على کورونا. وأعلن کوخافی عن رفع جاهزیة الجیش، والاستعداد للتدخل بشکل أکبر وأقوى. ومن المجالات التی سیتدخل فیها الجیش مرافقة بعض وحدات القوة البشریة أطفال وأولاد الأطقم الطبیة الإسرائیلیة العاملة فی مواجهة کورونا ورعایتهم، وإیصال وحدات عسکریة أخرى المواد الغذائیة والأدویة إلى الأسر المحتاجة، وذات الاحتیاجات الخاصة وکبار السن، وفرز آلاف الجنود الآخرین لتطبیق منع الحرکة وتحدیدها فی کل أنحاء إسرائیل، وحمایة جنود آخرین سائقی الحافلات العامة الذین ینقلون حاملی الفیروس لحمایتهم من إصابتهم به. بالإضافة إلى وجود أکثر من خمسة آلاف جندی إسرائیلی فی الحجر الصحی، أسوة بعشرات آلاف الإسرائیلیین الآخرین المحجورین صحیا، بسبب شبهات اختلاطهم بحاملین للفیروس.
تأکید المستویات السیاسیة والعسکریة، وحتى الصحیة، على مرکزیة دور المؤسسات والأجهزة الأمنیة الإسرائیلیة المختلفة فی الحرب على کورونا، فی وقت یشعر فیه المجتمع الإسرائیلی بخطر کبیر جرّاء استمرار انتشار الفیروس، یعطی المؤسسة الأمنیة دورا مهما فی کل مجالات الحیاة وتفاصیلها فی إسرائیل المدنیة، قبل الأمنیة والعسکریة، ویعید إنتاج الوعی الذی أراده قادة المشروع الصهیونی، من جابوتنسکی وبن غوریون وموشی دیان وغیرهم، والذین اعتبروا الأجهزة الأمنیة والجیش بمثابة البقرة المقدسة والممنوع انتقادها، وأنه لا مستقبل لإسرائیل بدون جیش قوی، کما عبر عن ذلک، فی أکثر من مناسبة، موشی دایان وبن غوریون الذی قال، أمام حشد من الجنود الإسرائیلیین بعد حرب العام 1948، إن إسرائیل بدون البندقیة والقبعة الحدیدیة لن تتمکّن من بناء طوبة، ولا من غرس شجرة، فی إشارة إلى إدخال الأمن والجیش فی کل تفاصیل الحیاة الإسرائیلیة، لإنتاج وعی یصف إسرائیل بالجیش الذی له دولة، وبدون الجیش لا مستقبل لإسرائیل فی المنطقة نهائیا، ما عمّق مکانة الجیش والأمن ومرکزیتهما فی وعی المجتمع الإسرائیلی. وهذا ما أعادت إسرائیل إنتاجه، فی الأیام الأخیرة، مستغلة خوف المجتمع الیهودی من کورونا، لیطمئن على إجراءات حکومته فی مواجهتها الفیروس، طالما أن الجیش یقوم بالحرب علیها. وفی الوقت نفسه تفهم أی فشل مستقبلی فی مواجهة کورونا وحصاره، طالما أن الجیش قاد تلک الحرب، وبذلک یعود الجیش (والأمن) لیصبح البقرة المقدسة فی الوعی العام، وفی الوقت نفسه، أن یکون الجیش جدارا یحتمی خلفه القادة ونتنیاهو مستقبلا فی حال تم تشکیل لجنة تحقیق للإخفاق فی السیطرة السریعة على الوباء.

 

عادل شدید کاتب فلسطینی

العربی الجدید

Parameter:454335!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)