|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/01/17]

أطفال الأنابیب السیاسیة  

أطفال الأنابیب السیاسیة

أ.د. إبراهیم أبو محمد

الثلاثاء، 10-09-2019  م

تعود الکبار أن یترکوا الأطفال یلعبون ویلهون، لکنهم یراقبونهم عن قرب وعن بعد، فإذا اقترب الطفل من خطر یهدد حیاته أو یهدد حیاة الآخرین؛ تدخل الکبار لردعه وإبعاده عن مرکز الخطر وموقعه، وربما ضربوه على أصابعه لیحدث ارتباط شرطی فی نفسیة الطفل وذاکرته بین موقع الخطر وبین الألم؛ حتى لا یکررها.
هذه سیاسة الکبار مع الصغار فی عالم الطفولة البریئة، لکن فی عالم الطفولة السیاسیة یختلف الأمر، فأطفال الأنابیب السیاسیة (وهم الذین دخلوا عالم السیاسة بالصدفة البحتة، أو بغلبة القوة الخشنة دون دراسة وتأهیل) یمکن للکبار أن یدفعوهم إلى مناطق الخطر لیتورطوا فیه، ویمکن أن یخلقوا لهم عدوًّا موهومًا یجعلهم یدفعون ثروات شعوبهم من أجل الحصول على السلاح ووسائل الحمایة والدفاع عن النفس، ویمکن للکبار أن یبیعوهم وسائل القتل والتدمیر لیعبثوا بها، بینما یجرب الکبار الأجیال الجدیدة من السلاح، ویتخلصون فی الوقت ذاته من الأسلحة القدیمة، وتظل دورة رأس المال تدور، فمصانع السلاح تعمل وتنتج وتطور أجیالًا جدیدة، بینما أطفال الأنابیب عندنا یعبثون بتلک الأسلحة؛ فیقتلون بها غیرهم، أو یقتلون بها شعوبهم، وفی الحالتین مسموح بالعبث ولو کان قتلًا وتدمیرًا، ولکن:
ولکن داخل وطنک أنت.
وبین أهلک أنت.
مزق حدود وطنک کما شئت.
واهتک نسیج شعبک کما شئت.
وقطِّع لحمة أمتک کما شئت.
ومزق حدود بلدک کما شئت
واستدع من شئت لیحتل شعبک بحجة الحمایة والدفاع.
والکبار یدونون لکم، ویسجلون علیکم، ویجمعون من الأدلة ما یستطیعون بها إخضاعکم وإذلالکم حتى النخاع، وفی کل الحالات ستحتاجون إلیهم لینقذوکم، وتدفعوا.
فی الجانب الآخر فإن حجم تجاوزات هذه الزعامات تجاه شعوبها یفقدها شرعیة بقائها، ویترکها لتکون بغیر سند أو ظهیر شعبی؛ لأن رصیدها عند الشعوب قد سقط وتهاوى منذ زمن.
مأزق زعامات أطفال الأنابیب السیاسیة سیکون محرجًّا جدًّا فی المستقبل القریب؛ فالدوائر الحقوقیة ومعها بعض الدوائر الحساسة ضاقت بالتصرفات العبثیة لأطفال الأنابیب السیاسیة، حتى وإن مارست العبث داخل أوطانها وضد شعوبها؛ لأن هذه الدوائر أضحت تتعرض الآن فی بلادها لضغوط شعبیة وبرلمانیة وحقوقیة، توشک أن تتهمها بالتواطؤ والسکوت على هذا العبث الذی یعرض حیاة البشر للخطر، ویهدد بطوفان شعبی غاضب یأکل الأخضر والیابس، ویعرض مصالح الغرب نفسه لمصیر مؤلم، بوصفه شریکًا فی هذ العبث، ولو بالسکوت.
نعرف أن المال السیاسی یمکن أن یسکت بعض المؤسسات إلى حین، لکن تلک المؤسسات تحرص على سمعتها لتظل نظیفة، وتحرص على مصداقیتها أمام شعوب الغرب خاصة، وبمجرد رفع الغطاء عن هذا العبث ستتخلى فورًا، وتعلن فی بیانات رسمیة براءتها من هذا العبث، وقطع علاقتها بتلک الدول المشبوهة بتهم الإجرام والمجازر.ومصیبة أطفال الأنابیب السیاسیة فی عالمنا العربی لیس الجهل فقط، وإنما یضاف إلیه الطموح المسعور الذی یجعلهم یکرهون إلی حد العداء - کل ما هو إسلامی حقیقة أو حکما - لأنه یحول بینهم وبین ما یشتهون، ویقید شهواتهم المهتاجة فی الطغیان والدکتاتوریة والاستبداد بالشعوب،  ثم إن الإسلام یعتبر الحاکم أجیرا عند شعبه ، بینما نظرتهم هم لشعوبهم تصل إلی مستوی من الدونیة ینحط بالشعوب لما هو أبعد من العبودیة والرق ، وطبیعی أن تنسحب کراهیتهم للإسلام على کل داعیة صادق وأمین ، ومن ثم تکون وسیلة القرب منهم والتودد إلیهم هی مهاجمة هؤلاء الدعاة والرموز، واعتبارهم العقبة الکؤود فی سبیل تنفیذ المخطط ، ومن ثم ینشط کل هلفوت فی مهاجمة هؤلاء تقربا لسیده ، وهذه المنطقة - أقصد بها منطقة الهجوم على الإسلام ورموزه منطقة مأمونة العواقب – بل هی المدخل لإثبات الوطنیة و الولاء للحاکم فی بعض البلاد. 

  وفی هذا الجو الملوث بجراثیم القهر والطغیان لا یغیب الناصح الأمین فقط، بل یصبح موضع السخریة والاتهام ویعتقل ویسجن إن کان فی الداخل، ویطارد ویتربص به إن کان خارج البلاد!!! ولا یبقی بجوار - فخامته أو سموه أو معالیه - إلا الطبالون والزمارون وأهل  الخداع والنفاق، الذین یأکلون على کل مائدة، ویرقصون فی کل فرح،  وینوحون فی کل مأتم، وهؤلاء یدغدغون طموح أطفال الأنابیب السیاسیة والذین هم مشروع محتمل لفرعون جدید، فیسوغون أطماعهم، وینفخون فیهم بأنهم أصحاب مشروع حداثی نهضوی، وأنهم هبة الزمان وهدیة التاریخ وفرصة العمر للمنطقة ولشعوبهم، وأن مشروعهم لن ینجح إلا بالخلاص من المعوقات وفی مقدمتها الانسلاخ من جلد أمتهم والخروج حتى على ثوابتها وتراثها، وأن هذا هو المدخل الصحیح للتطور، کما أنه المسوغ المقبول لدى السادة الکبار لِیُدْخِلوا فی نادیهم هؤلاء الصغار. ومن ثم فهم وسط هذا الوهم المریح والخداع الکاذب یصدقون أنفسهم ویعیشون الحالة. .

هذه البیئة یغیب فیها الصواب ویحل الهوى مکان العقل، والترجیح دائمًا لصالح الأطماع والطموحات المصابة بشبق السلطة، وجنون الرغبة فی الکرسی الکبیر، ومن ثم فلا مکان ولا مجال للناصح الأمین.

الناصح الأمین هنا قد یکون عالمً دینًّ رصینً، وقد یکون خبیرًا فی العلوم السیاسیة.

فإن کان «عالمًا إسلامیًّا فلا مکان له؛ لأنه فی نظر الزعیم والجوقة من غلمان بنی علمان حوله «مجرد مطوع» معزول عن الدنیا، یعیش وسط خرافات التاریخ، ثقیل الظل، غلیظ القول، خبیر بعذاب القبر، ویعمل مندوبًا للنار. هکذا تنظر وتصور جوقة العلمانیین عالم الإسلام الرمز، والرأس، والمرجعیة.

وإن کان سیاسیًّا محنکًا وخبیرًا ببواطن الأمور فی عالم العلاقات الدولیة والاستراتیجیات، فإنه هو أیضًا فی نظر الزعیم وشلته أسیر لأفکار ونظریات قدیمة عفا علیها الزمن، وتجاوزتها متغیرات الواقع الجدید.

ومن ثم فلا مکان إلا لمن یعانق، أو یوافق، أو ینافق.

أطفال الأنابیب السیاسیة تتجمع فیهم السوءتان: الجهل المغلف، والطمع المحمول بقوة المال لا بقوة العلم والفکر والثقافة، وهم لا خبرة لدیهم بتفکیر الکبار، وخططهم، واستراتیجیاتهم.

وعندما یفتح لهم الکبار أبوابهم لیستقبلوهم ویجالسوهم یظن الغر أنه على قدم المساواة مع الکبار، ولا یدری أن الکبیر یسخرهم لخدمته، وربما یکلفهم ببعض الأعمال التی لا تتناسب مع الکبیر ودولته، فیدفع هذا الغر لیفعلها فیحمل وزر العار والملامة إذا افتضح الأمر وعرفت به الدول الأخرى.

الکبار ومعهم جوقة الطبالین یخدعون أطفال الأنابیب السیاسیة بطموحات وأطماع تخرج عن طاقتهم وطاقة بلادهم وشعوبهم، ولا مانع لدیهم من أن یتمدد الصغار فیسمح لهم الکبار بشراء بعض الأشخاص، وبعض الذمم، وبعض المؤسسات داخل مجتمعات الغرب نفسه، لتجری عملیة الصید بدقة وإحکام، ثم یکشف النقاب عن هذا الفعل المشین لیدفع أطفال الأنابیب تکلفة السکوت أو الإفلات من العقاب والمؤاخذة.

فی عالم السیاسة دائمًا یختفی الصدق ویحل محله الکذب، وتختفی الصداقات لتحل محلها المصالح، وتختفی البراءة وحسن النیة لیحل محلها الخبث واللؤم المنمق، والابتسامات المصنوعة، والسلامات المتکلفة، والعناق الذی یشبه لقاء بائعات الهوى بزبائن الإغراء والإغواء.

الحکمة تؤکد أن حجم الطموح یجب أن یتناسب مع حجم الطاقة والقدرة على الفعل والإنجاز، والقوة المستکنة فی العمق الحضاری للوطن والمواطن، وعندما تخرج التمنیات عن طاقة الإنسان وقدراته، فالنتیجة ستکون ضیاع الممکن فی طلب المستحیل.

وهناک دول مهما کانت ثروتها فی باطن الأرض، أو فی خزائن القبائل التی یحکمونها لا یمکن أن یسمح لها أن تصل إلى مصاف الدول الکبرى، مهما تمددت طموحاتها وبعثرت من أموال، واستأجرت من مرتزقة.

ما نطرحه هنا لیس دعوة للإحباط والیأس وقتل الطموحات، ما نطرحه هنا هو رصد دقیق لواقع القدرات والطاقات، حیث الإمکانیات الحضاریة والعلمیة والسکانیة لیست متوفرة، حتى لو فاض المال وطفح، ومن ثم فالأولى لهؤلاء أن یخدموا شعوبهم، وأن یرکزوا فی تطور تعلیمها وإنتاجها، وأن یکفوا عن مد أرجلهم وأذرعهم فی دول أخرى، فالآخرون لن یترکوهم وإنما سیقطعون أرجلهم وأذرعهم، وسیحرقون أصابعهم ویکسرون عظامهم، قبل التقطیع والدهس، فتعقلوا یا قوم، ولوذوا بشعوبکم وأمتکم، ولا تلقوا بأنفسکم وبالمساکین والغلابة من أوطانکم فی تهلکة الکبار وصراعاتهم وإلا............
المفتی العام للقارة الأسترالیة


الشبکة العربیة

Parameter:429982!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)