|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/01/15]

“إسرائیل”.. آخر نظام أبارتاید؟  

“إسرائیل”.. آخر نظام أبارتاید؟

د. هیثم مناع

فی السابع من أیار (مایو) 1948 وجه شارل مالک، مندوب لبنان فی الأمم المتحدة، برقیة إلى الحکومة اللبنانیة یقول فیها: ” لقد أتم الیهود استعدادهم لإقامة دولتهم بالقوة، وسیباشرون العملیات العسکریة خلال هذا الشهر، فإن لم یقض العرب على هذه الدولة فی غضون سبعة أیام، ستدوم سبعة أشهر، فإن لم یقضوا علیها خلال سبعة أشهر ستدوم سبعة أعوام، فإن عجزوا عن إزالتها فی سبعة أعوام فقد تدوم سبعین عاما وربما أکثر”.

وقف العالم الغربی بمعسکریه مع قیام دولة إسرائیل ورفض العرب والمسلمون هذه الدولة. کانت هزیمة حرب 1948 نکبة هزت أرکان الدول العربیة بعد الکولونیالیة الناشئة. ومن المنافی ولدت هویة فلسطینیة مشترکة لکل الفلسطینیین فی الوعی الجماعی کمشروع سیاسی وثقافی وحضاری لاستعادة الذات التی استلبتها دولة الاستیطان الیهودی فی فلسطین.

لم تتعامل الحکومات الإسرائیلیة المتتابعة یوما مع فکرة السلام، باعتبارها مسارا متبادلا وشراکة قائمة على قبول الآخر، أو بوصفها مشروعا سیاسیا لدولة فلسطینیة قابلة للعیش. وهنا نعود لجذور أسطورة التأسیس لدولة إسرائیل القائمة على رفض الآخر الفلسطینی ککیان سیاسی. لم یکن الآباء المؤسسون یوما یهذبون الکلمات والعبارات فی کل ما یتعلق بالترحیل والنفی القسری کوسائل “مشروعة” لبناء وطن قومی نقی. الدفاع العدوانی aggressive defense، الذی جعل منه دافید بن غوریون إنجیله العسکری، یربط باستمرار بین تحطیم الهدف العسکری وطرد السکان. حتى الحکومة الإسرائیلیة التی وقعت اتفاقیة أوسلو فی 13 سبتمبر 1993، لم تکن بعیدة عن هذا النهج، حین ربطت بشکل عضوی بین بناء المستوطنات والعملیة السیاسیة. وترکت لما عرف بالحل النهائی ملفات تسمح بالضم والقضم فیما تبقى للفلسطینیین من قدس وأرض ومیاه وبیوت ومزارع برسم الهدم. هناک طرق معبدة محمیة للمستوطنین وأشباه طرق تحت وطأة الحواجز والمراقبة للفلسطینیین. وقد بنت من المستوطنات فی فترة یفترض أنها لتعزیز إجراءات الثقة ما فاق حقب المواجهة المفتوحة مع شعب. حطمت البنیات التحتیة للاقتصاد الفلسطینی، بنت جدار فصل عنصری فی أرض الفلسطینیین وفق ما أقرته هی نفسها أرضا فلسطینیة… ومع وصول نتنیاهو للسلطة قبل أکثر من عقدین من الزمن، لم تعد سیاسة بناء منظومة أبارتاید، سرا من أسرار الدولة العبریة. وقد تنبهت المنظمات الحقوقیة الفلسطینیة لهذه السیاسات المدمرة البعیدة المدى. ونشر الدکتور محمد حافظ یعقوب قبل دخول القرن الجدید “بیان ضد الأبارتاید”. وعلینا انتظار عشرین عاما لیقدم ریتشارد فولک Richard Faik وفرجینیا تیلی Virginia Tilley وثیقة أممیة للإسکوا حول قضیة الأبارتاید. بالطبع سیرفض الأمین العام للأمم المتحدة غوتیریس أن یذیلها بتوقیع منظمته، ففی ذاکرة غوتیریس قصة أول مبعوث دولی للأمم المتحدة السویدی فولک برنادوت الذی اتفقت منظمتا “أرغون” التی یرأسها مناحیم بیغن و”شتیرن” برئاسة إسحق شامیر على اغتیاله فی 17 سبتمبر/أیلول 1948 فی القطاع الغربی لمدینة القدس.

هل تستحق القضیة الفلسطینیة أن یضحی أمینها العام بمستقبله الدبلوماسی، بل حتى ولایة ثانیة فی منصبه؟

لقد وصل المشروع الإسرائیلی إلى مداه الأوضح: توظیف المأساة الیهودیة فی ظل النازیة- فی مرکب صناعی complexe industriel  متکامل یعطی بالضرورة نظام أبارتاید متکامل الأوصاف، یبدأ بتعزیز عقدة الذنب، وتأصیل فکرة “أمة وظیفیة” فی خدمة رأس المنظومة العالمیة، والإبن “المدلل” فوق القوانین والشرعیة الدولیة.

 کل مدارس التحلیل التقدمیة تقول بأن المنظومة العالمیة World-System تستغل ما سواها، وتتناسى أن المنظومة الوحیدة التی نجحت فی استغلال وابتزاز هذه المنظومة اسمها “دولة إسرائیل”.

تعید الدولة “الطائفیة” الطابع، التی قدمت نفسها للعالم باعتبارها النقیض المعنوی لمأساة الیهود فی ألمانیا، تعید إنتاج السیناریو بصیغة تناسب الزمان والمکان. فی لحظة “اکتمال” التفوق العسکری الإسرائیلی التقنی بکل المعانی، ونجاح اللوبی الموالی لإسرائیل على الصعید العالمی فی جعل صاحب شعار “أمریکا أولا”، یزاود على الیمین المتطرف الإسرائیلی بحماقاته المعتوهة و”صفقاته”. تنال الحکومة الإسرائیلیة تفویضا مفتوحا بالقتل والهدم والضم والنهب من الإدارة الأمریکیة. مستغلة فرصة التواطؤ الغربی الرسمی وتعفّن دول الثروة العربیة، وانحطاط إیدیولوجیات التلوث المذهبی التی تروج لمرکزیة الصراع مع الإرهاب ومعسکرات الشر المرسومة حسب الطلب والرافضة ولا مرکزیة الصراع العربی الإسرائیلی. یستثمر الیمین المتطرف الإسرائیلی فی هذه السوق-المستنقع، لیخرج کمون رغباته الدفینة فی إلغاء ما یمکن تسمیته کیانا فلسطینیا قابلا للحیاة.

لکن نیران إلغاء الآخر الحاقد نفسها، هی التی تضع المجتمع الإسرائیلی وتضعنا أمام أسئلة مرکزیة تعیدنا إلى المساءلة الأولى حول شرعنة الکیان الصهیونی:

– ما هی الفکرة التی تحملها الجماعة الإسرائیلیة الیهودیة عن تنظیم العلاقة مع المکونات الذاتیة للدولة وجیرانها؟

– هل یمکن أن یتحرر المجتمع الیهودی الإسرائیلی من فکرة العصبیة الممزوجة بالتفوق کأساس لأمنه، هذه الفکرة الخلدونیة التی تترجم فی کل أزمة بارتکاز مفهوم الشعب على القوة المسلحة وقداسة تفوق النحن وکراهیة الآخر؟

– هل یمکن لهنجهیة القوة والسیطرة أن تکون عنصر توازن داخلی وتعایش خارجی؟

– هل بإمکان هیاکل الدولة حمایة عملیة إعادة إنتاج الغیتو “الموسع فی کیان سیاسی” من الخوف والحقد؟

– هل یمکن للمجتمع الإسرائیلی الاستمرار الیوم دون أرضیة باثولوجیة منجبة للعقد النفسیة داخل الجماعة،  وللجرائم الجسیمة من حولها، باعتبار إرهاب وإذلال الآخر عنصر اطمئنان أساسی للذات المهزوزة ؟

أصبحت تعبئة لوبی المناصرة لمشروع یعیش أزمة معممة، ترتبط أکثر فأکثر بتعزیز التعصب والعصبیة الیهودیة والإنجیلیة المتطرفة. أما مناهضة کل اندماج للیهود فی مجتمعاتهم خارج إسرائیل، فتحولت الیوم إلى سیاسة رسمیة للدولة العبریة. ومع کل فشل فی خوض معرکة العلمنة الضروریة للخروج من الجماعة المتسلطة إلى الدولة الدیمقراطیة، مع کل فشل فی التعامل المتکافئ مع الجیران، أو فی الخروج من ثقافة العنف الضروری للأمن إلى ثقافة الاعتراف بالآخر کأساس لأی استقرار أمنی وسیاسی، أو فی بناء علاقة بشریة خارج منطق العربات المصفحة والطائرات المسیرة القادرة على التحطیم والاغتیال بذکاء.. مع کل إخفاق جدید، لا تنحسر النتیجة فقط فی فقدان الاستقرار السیاسی موضوعیا والاستقرار النفسی ذاتیا. بل تتعدى ذلک لتکوین جماعة مغلقة تسلطیة بتعریف طبیب الأمراض النفسیة لوسیان إسرائیل: “جماعة محمولة بالطباع التسلطیة(الأوتوریتاریة) تفرز میثولوجیا تکوینیة، تأسیسیة، مساریة وأصلیة. الأب المشترک، الإله، الطوطم.. یؤسسون الاعتراف المتبادل بینهم عبر مراجع بیولوجیة کاذبة: نحن من نفس اللحم، لقد استهلکنا الضحیة عینها، نفس الدم یجری فی عروقنا.. تتشکل الجماعة بالتعارض مع الخارج (الآخر)، وهکذا ینبثق الطبع التسلطی. إذا کنا داخل الجماعة بین أخوة الدم، فالآخر الخارجی یتحدد بعلامات وصفات تختلف عن صفات الجماعة. وهذا الاختلاف یصبح حاملا لقیم، والآخر خارج الجماعة یصبح حاملا للشر. التجمع یسمح للطبع التسلطی بأن یحمل دون توجس ولا قلق حکما تحقیریا حول الآخر، حکما یسمح بکل العداوات وکل المظالم” (مدخل إلى الأمراض النفسیة، ص 37، 1984).

لا تحمل السلطة فی ذاتها تبریرها النهائی مرة واحدة وإلى الأبد. فشرعیة الدولة ترتبط أولاً بما تعنیه بالنسبة للجماعات التی تشکل إطارها البشری. أی بالفکرة التی تحملها الجماعة عنها وقدرة هذه الفکرة على أن تکون قاسما مشترکا أدنى مع محیطها الجغرافی. فلا یکفی أن یطمئن المواطن الإسرائیلی على تفهّم الأمریکی أو الإنجلیزی  لدوافعه المعلنة لاعتماد العقوبات الجماعیة فی فلسطین ولبنان والمنطقة استراتیجیة عسکریة: حصار اقتصادی واجتماعی وبشری، قصف البنیة التحتیة واستهداف القرى والمدن، تحویل فلسطین المحتلة لسجن محاصر بترسانة عسکریة تصول الزنانات والدوریات وتجول فوق سمائه وبین بیوته وعلى الشاطئ وفی البیارات المحطمة والإدارات والمنشآت الاقتصادیة المدمرة: المجتمع إرهابی والقیادة إرهابیة، خطف القیادات السیاسیة الفلسطینیة والتبریر القانونی للتعذیب مهمة نبیلة!!..  لا اعتذار ولا هزة جفن إن أدى قصف بیت مقاتل إلى خسارة ثلاثین مدنیا. ألیست “الحرب على الإرهاب” فی قراءتها الأمریکیة الإسرائیلیة أیضا، إلغاء تفرید المسئولیة بدعوى عزل الإرهابی عن “حاضنته الاجتماعیة”؟؟ أی العودة إلى ما قبل مفهوم القانون، إلى قانون الغاب.

فی وضع کهذا، یتأصل یوما بعد یوم، تصدع وجودی زرعته عقلیة التفوق وأصلته القناعة بالقدرة على الفعل دون محاسبة والجریمة دون عقاب. لکن الفارق الأساسی بین الحیوان والإنسان تکمن فی وعی الفعل ووظیفة الذاکرة المتجسدة، کما یقول جیرار میریه “فی بناء المسئولیة؛ فحیث تنتفی المسئولیة تنتفی الإنسانیة، وتنتفی الحریة”.. الدولة الخارجة عن العرف والقانون (إسرائیل)، تقود الوعی الجماعی لضحایاها إلى قواعد بسیطة ستعید صیاغة المفاهیم والتصورات والمواقف السیاسیة فی کل ما یتعلق بکینونتها: النفی ینجب النفی، والعنف ینتج العنف، وبربریة القوة تشّرع لکل أشکال المقاومة.

مهما کانت طریقة نقل وتصویر الجرائم الإسرائیلیة فی الإعلام ووسائل مجموعات الضغط الموالیة للدولة العبریة إلى المجتمع الغربی، فإن الصورة التی یکونها هذا المجتمع لا تغیر الکثیر فی المقومات الداخلیة للاستقرار الإقلیمی الذی یسمح للجماعة الإسرائیلیة بتجدید شروط إنتاجها کجماعة سیاسیة فی الزمان، أی التاریخ، وفی المکان، أی الفضاء البشری المجاور.  فمهما کانت بنیة الدولة أو حجمها أو قدراتها أو عقیدتها المعلنة، تنهار أسطورة التأسیس مع تقلص هامش العمل السیاسی مع المحیط وصیرورة العمل العسکری التعبیر الأسمى للسیاسة. إن أی إزمان لحالة عدم التوازن لا یعنی اضطراب الوجود الفلسطینی تحت الإحتلال وفی ظل العدوان وحسب، بل اضطراب فی حالة الاستقرار السیاسی للمحتل المعتدی نتیجة التداخل الإجباری بین الجماعة الفلسطینیة والجماعة الإسرائیلیة، بین الهجرة إلى فلسطین والتغییرات الدیمغرافیة فی حدودها التاریخیة، بین صورة فلسطین والجولان عند ملایین البشر فی الجوار المباشر وصورتهما فی ذهن الإسرائیلی.  ها قد ماتت صورة الکیبوتز (الاشتراکیة)، وغابت ضرورة الدولة الأخلاقیة التی لا یحق لها تکرار ما حصل مع مؤسسیها بحق ضحایا جدد. “الدیمقراطیة” الطائفیة لم تعد أنموذجا یمکن التحدث فیه. ومع العسکرة الدائمة للمجتمع والدولة، اختزل المشروع الصهیونی فی أسطورة جیش فوق الجیوش.. قوة متفوقة وأسلحة متمیزة ومساعدات أمریکیة بلا حدود، تحقن هذا الوجود الذی اختار العنف شرطا واجب الوجوب لاستمراره.

فی عوالم الذاکرة القصیرة، لن نذکر بمأساویة مسار جنوب إفریقیا للخروج من الأبارتاید، فعلى مقربة من الجمیع، الدرس الأهم من محرقة داعش: إدارة التوحش هی أولا وأخیرا، عملیة تحطیم ذاتی، ولیس فقط منهج تدمیر للآخرین.

کاتب سوری

 

رأی الیوم

Parameter:429660!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)