|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/01/03]

الأوروبیّون یَعدّون مِصیدةً خطیرةً للإیقاع بإیران بالطّریقة نفسها التی أوقعوا فیها العِراق والفِلسطینیین..  

الأوروبیّون یَعدّون مِصیدةً خطیرةً للإیقاع بإیران بالطّریقة نفسها التی أوقعوا فیها العِراق والفِلسطینیین.. والقمّة المُقترحة بین ترامب وروحانی على هامِش اجتماعات الجمعیّة العامّة هی الطُّعم الأخطر.. هل ستُلدَغ إیران من الجُحر الأوروبیّ للمرّة الثانیة؟

عبد الباری عطوان

تبذُل الحُکومات الأوروبیّة جهودًا کبیرةً هذه الأیّام لترتیب مُفاوضات بین إیران وإدارة الرئیس الأمریکی دونالد ترامب من أجل تخفیف حدّة التصعید فی الأزمة بین الجانبین، ویبدو أنّ الجولة الأوروبیّة التی قام بها السیّد محمد جواد ظریف فی عدّة عواصم أوروبیّة آخِرها باریس، هیّأت الأجواء فی هذا المِضمار، بالنّظر إلى مؤشّرات “المُرونة” التی صدرت عنه ومُعلّمه الرئیس حسن روحانی.

الترکیز ینصب حالیًّا على عقد لقاء قمّة بین القادة الأوروبیین والرئیس الإیرانی حسن روحانی أواخر الشهر المُقبل على هامِش اجتماعات الجمعیّة العامّة للأمم المتحدة فی نیویورک، ربّما تُمهّد للقاء المُنتظر بین الرئیسین الأمریکی والإیرانی.

لا یُمکن أن تقوم أوروبا بمِثل هذه الجُهود بدون ضوء أخضر أمریکی، ومن الرئیس دونالد ترامب شخصیًّا، لیس من أجل خدمة المصالح الإیرانیّة، وإنّما الأمریکیّة بالدرجة الأولى، وقد علّمتنا تجارب المِئة عام الأخیرة بأنّ الأوروبیین هم الوجه الآخر لأمریکا، ولا یُمکن مُطلقًا الفصل بین الجانبین، وجمیع الحُروب الأمریکیّة فی العالم الإسلامی کانت أوروبا لیست داعمة لها، وإنّما مُشارکة بفاعلیّةٍ فیها، ولم یَطرأ أیّ تغییر یُوحی بعکس هذه الحقیقة.

***

إذا أخذنا الأزمة بین العِراق وأمریکا کمثال، فإنّ الدور الأوروبی کان دائمًا ینتهج أُسلوبًا تضلیلیًّا للقِیادة العِراقیّة، وتمهیدًا للحل العسکری فی العِراق، ولا یجب التّغافل إلى حقیقةٍ أساسیّةٍ وهی إقناع هذه القِیادة بالقُبول بالحُلول الدبلوماسیّة والسّماح بالمُفتّشین الدولیین وتدمیر أسلحة الدمار الشامل لدیها، کمُقدّمة لرفع الحِصار وعودة البِلاد إلى المُجتمع الدولی، وبعد أن تم تحقیق هذا الهدف، وتخلّت الدول الأوروبیّة عن کُل وعودها وانضمّت بحماس إلى التحالف الأمریکی الثلاثینی لغزو العِراق واحتلاله، وتغییر النظام فیه، وتفکیک مفاصل الدول العِراقیّة ومُؤسّساتها، والاستیلاء على ثرواتها النفطیّة، وتفتیتها على أُسسٍ طائفیّةٍ.

نُضیف مثَلًا آخر لا یقِل أهمیّة، وهو العودة إلى الدور الأوروبی النّشط الذی أقنع الفِلسطینیین بالتخلّی عن الکِفاح المُسلّح، والجُنوح للسّلم، والاعتراف بإسرائیل، والانخراط فی مُفاوضاتٍ مُباشرةٍ معها، وصولًا إلى الدولة الفِلسطینیّة المُستقلّة على 20 بالمِئة فقط من أرض فِلسطین التاریخیّة، وعندما انطلت الخدیعة على قیادة منظمة التحریر، وصدّقت الکلام الأوروبی المعسول، ووقّعت اتّفاق أوسلو، ها هی وبعد 25 عامًا من المُفاوضات تخسر ما تبقّى من الضفّة الغربیّة التی التَهمتها المُستوطنات، وتتحوّل قوّاتها الأمنیّة إلى أدوات لحمایة الاحتلال ومُستوطنیه منع أیّ انتفاضة، أو أیّ مُقاومة فی سابقةٍ تاریخیّةٍ مُذلّةٍ ومُهینةٍ.

القِیادة الإیرانیّة، والجناح “المُعتدل” أو “الإصلاحی” فیها خاصّةً، یقِف على أعتاب مِصیدة أوروبیّة مُماثلة، وتُوحی تصریحات الرئیس حسن روحانی التی أدلى بها قبل بضعة أیّام وأعرب فیها عن استعداده للتفاوض مع الإدارة الأمریکیّة فی حال تم رفع العُقوبات بأنّ هذا الجناح الإصلاحی یقترب من الوقوع فیها، فبمجرّد أن یجلس على مائدة المُفاوضات مع الرئیس ترامب، حتى لو حصل على ضمانات برفع العُقوبات، سیخسر کُل أوراقه، لأنّ “صورة” هذا اللّقاء هی التی یسعى إلیها ترامب بمُساعدة حُلفائه الأوروبیین، ولن یتم الالتزام بأیّ اتّفاقات، وإن تم، فالفترة محدودة سُرعان ما یتم انتهاکها.

کُل الأحادیث عن وجود تباین فی وجهات النظر الأمریکیّة والأوروبیّة حول الانسحاب الأمریکی من الاتّفاق النوی الإیرانی مُبالغٌ فیها، ونشُک بأنّها تتمتّع بأیّ مصداقیّة، ولا نستبعِد أن تکون مجرّد حقن تحذیریّة لإیران لمنع انسحابها من هذا الاتّفاق، والعودة إلى مرحلة ما قبله، أیّ التخصیب بمُعدّلاتٍ عالیة.

ترامب یستجدی الإیرانیین للعودة إلى مائدة المُفاوضات فی إطار سیاسة المُراوغة التی یُجیدها الغرب فی تعاطیه مع دول العالم الثالث، و”الشرق أوسطیّة” منها على وجه الخُصوص، لن یرفع العُقوبات إلا إذا حصَل على استسلامٍ إیرانیٍّ کاملٍ لشُروطه، وتدمیر الترسانة الصاروخیّة الإیرانیّة التی تُشکّل العمود الفقری فی سیاسة الدفاع عن النّفس الإیرانیّة، ونلحظ هُنا تطابقًا مُتکاملًا بین الملفّین الإیرانی والکوری الشمالی وتعاطی الإدارة الأمریکیّة معهما، ونتمنّى أن یستفید السیّد روحانی من تجربة نظیره کیم جونغ أون، مع تسلیمنا مع عدم التّطابق الکامل للنّموذجین.

السیّد علی خامنئی، المُرشد الأعلى للثورة الإیرانیّة کان مُصیبًا عندما شکّک فی النّوایا الأمریکیّة فی الالتزام بأیّ اتّفاق نووی، ولکنّه أراد أن یُعطی الجناح الإصلاحی الذی یتزعّمه السیّد روحانی الفُرصة، وها هی النتائج تُؤکّد أن شُکوکه کانت فی محلّها، وأنّه لا یُمکن الثّقة بالأمریکان ونوایاهم مرّةً أُخرى ومهما کان کلام الأُوروبیین معسَولًا.

المُؤمن لا یُلدغ من الجُحر نفسه مرّتین، والعودة إلى المُفاوضات بوساطة أوروبیّة، ودون اعتراف ترامب علنًا بارتکاب خطیئة الانسحاب من الاتّفاق، وفشله فی ترکیع الشعب الإیرانی وقیادته، وتغییر النظام بالتّالی، یعنی الوقوع بالمِصیدة التی أعدّت لإیران بإحکامٍ، فهو الذی انسحب وعلیه أن یعود دون شُروط، ولا یُمکن التّفاوض مع الإرهابی قبل تخلّیه عن الإرهاب، وإرهاب ترامب اقتصادی وعسکری لا یحتاج إلى إثباتٍ.

مجرّد الجُلوس على مائدة المُفاوضات ستبدأ المطالب والشّروط الأمریکیّة التعجیزیّة تتناسل وتتناسخ، والانسحاب الإیرانی منها احتجاجًا لن تکون له أیّ قیمة، لأنّ الهدف الأمریکی الأوروبی هو الجُلوس على المائدة ولیس التوصّل إلى نتائج، وحتى لو تم تقدیم بعض التنازلات للوفد الإیرانی المُفاوض، فإنّها ستکون شکلیّة، ولن یتم الالتزام بأیّ ضمانات لتطبیقها، والتّجربتان العِراقیة والفِلسطینیّة اللّتان ذکرناهما سابقًا، وبل والإیرانیّة نفسها، هی العِبرة والدّلیل.

***

لسنا من دُعاة الحرب، ولا نسعى لمُواجهةٍ أمریکیّةٍ إیرانیّة، ولکن نرى أنّه من واجنبا قرع الجرس، والتّحذیر من خدیعةٍ جدیدةٍ قد تُؤدّی إلى تدمیر إیران بقُوّةِ المُفاوضات النّاعمة، وخلع أنیابها ومخالبها العسکریّة، تمامًا مثلما حدث للجارِ العِراقیّ.

ما یُطمئِنُنا هو التّحذیرات التی صدرت عن السیّد خامئنی، ونشرتها أمس مجلة “خط حزب الله” الأسبوعیّة التی تَصدُر عن مکتبه، وحذّر فیها بشکلٍ مُباشرٍ من أیّ مُفاوضات مع أمریکا، وإعادة التّأکید بأنّ الإدارة الأمریکیّة التی انسَحبت من الاتّفاق النووی لا یُمکن الوثوق بها، ونصیحتنا للسیّد روحانی أن یستمع لسیّده، ویتّعظ من النتائج الکارثیّة بدفعه نحو الاتّفاق النووی.

وما یُطمئِنُنا أکثر التهدیدات التی وردت على لسان السیّد أمیر علی حاجی زادة، قائد القوّات الجویّة فی الحرس الثوری، وأکّد فیها استهداف البوارج والقواعد الأمریکیّة فی قطر والإمارات وخلیج عُمان بمُجرّد سُقوط أوّل صاروخ أو قنبلة أمریکیّة على إیران، وحذّر من أنّ إسقاط الطائرة الأمریکیّة المُسیّرة هو الذی أبعَدَ شبَح الحرب عن إیران.

أن تذهب إیران لمائدة المُفاوضات ویجلِس روحانی مع ترامب الذی افتَعل هذه الأزمة، یعنی أنّها تنازلت وصرَخت أوّلًا فی معرکة عضِّ الأصابع وأعطت الرئیس ترامب صکًّا مفتوحًا للفوز فی الانتخابات الرئاسیّة المُقبلة.. اللهُمَّ قد بلّغنا.. اللهُمَّ فاشهَد.

 

رأی الیوم

Parameter:428481!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)