|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/11/22]

خطاب مقارعة إسرائیل فی العالم العربی: من عبد الناصر إلى نصر الله  

خطاب مقارعة إسرائیل فی العالم العربی: من عبد الناصر إلى نصر الله

جریدة الأخبار / أسعد أبو خلیل

20 تموز 2019

مرَّ خطابُ مقارعة إسرائیل فی العالم العربی فی أطوار عدیدة منذ وعد بلفور. تغیّر الخطاب عبر العقود، وإن بقی بعض السمات ثابتاً على ألسنة البعض. قبل أیّام فقط خطبَ فتحی حمّاد، عضو المکتب السیاسی فی «حماس»، فی غزة قائلاً: «یجب أن نهجم على کل یهودی موجود فی الکرة الأرضیة ذبحاً وقتلاً.. حنفسِّخهم تفسیخ»، (تنصّلت «حماس» من خطابه فی ما بعد، وهو أوضح أنه ملتزم بسیاسات الحرکة. هل یعنی أنه کان یمزح؟). لکن هذا الکلام الذی یقدّم ذخیرة قویّة للدعایة الصهیونیّة لیس جدیداً. ومنظمّة «میمری» الصهیونیّة تأسّست فقط لرصد خطاب الکراهیة العربی وتسویقه فی الغرب لصبغ العرب والقضیّة الفلسطینیّة بأبشع الصفات (ولیس هناک من منظمّة عربیّة واحدة ترصد خطاب الکراهیة الصهیونیّة لتعمیمه على العالم).

یعتری خطابَ مقارعة إسرائیل مزیجٌ متناقضٌ من التهدید المفرط غیر المستند إلى عناصر قوّة، ما یسهم فی سرعة انفضاح خوائه، کما یعانی من الاستعطاف الضعیف واستدرار الدموع. والخطاب بقی لعقود طویلة یجسّد مظهراً من مظاهر الانفعالیّة التی اتّصف الخطاب العربی ــ الرسمی والثوری ــ بها، أی إن الخطاب فی مواجهة إسرائیل لم یکن محسوباً وفق جدول الربح والخسارة، بحسب نظریّة الواقعیّة فی العلاقات الدولیّة. الخطاب کان هدفاً بحد ذاته، وقادة «منظمّة التحریر» أولوا الخطب الکثیر من الأهمیّة، شأنهم شأن الحکّام العرب فی ما مضى (الحکّام العرب الیوم باتوا یثقون بطاعة ومطواعیّة شعوبهم إلى درجة أنه قلّما یخاطبونهم مباشرةً، إذ یفضّلون مخاطبة «بلومبرغ»: مَن سمع خطبة لمحمد بن زاید أو محمد بن سلمان أو محمد السادس أو تمیم بن حمد أو قابوس؟).
التعامل مع نکبة فلسطین لخّصَ طریقة التعاطی مع العدوان الخارجی: أی فی التراوح بین التهدید والوعید المبالغ فی قدراته، وبین الرثاء على طریقة الخنساء. یروی المؤرّخ ابن الأثیر فی «الکامل فی التاریخ» عن ردّ الفعل العربیّ على سقوط القدس على أیدی الصلیبیّین: «وورد المستنفرون من الشام فی رمضان إلى بغداد، فأوجدوا فی الدیوان کلاماً أبکى العیون وأوجع القلوب، وقاموا فی الجامع یوم الجمعة فاستغاثوا وبکوا وأبکوا وذکروا ما دهمَ المسلمین بذلک البلد الشریف المعظم من قتل الرجال وسبی الحریم والأولاد، ونهب الأموال. فلشدّة ما أصابهم أفطروا». والشعر العربی بعد النکبة کان على هذا النمط، وهناک الغزیر منه إلى درجة أن أستاذ الأدب العربی فی کلیّة الآداب فی جامعة دمشق فی الستینیّات، صالح الأشتر، تخصّص فی شعر النکبة وصفاتها (وله فی ذلک عدة کتب). یقول الأشتر عن النکبة: «وأما مأساتنا فی فلسطین فقد منحت الأدب العربی دیواناً دمویاً ضخماً» (صالح الأشتر، «مأساة فلسطین وأثرها فی الشعر المعاصر»، ص. ٧.) والطریف أن الأشتر یعترف بغلبان العواطف والدموع على شعر النکبة، لکنه یجد استثناءً فی قصیدة لإیلیا أبو ماضی یقول فیها: «سهرنا له فکأن السیوف، تحزُّ بأکبادنا ههنا. وکیف یزور الکرى أعینا ترى حولها للردى أعینا» إلى أن یقول: «فإن تطلبونها بسُمر القنا، نردَّکم بطوال القنا». أی إن أبو ماضی زاوج بین العواطف المدرارة والتهدید، لکن الأشتر رأى فی القصیدة تطوّراً عقلانیّاً.
والبکائیّات الشعریّة کانت تستعین بالماضی العربی: «فی أحزانه ونکباته وفی أمجاده وانتصاراته. فیقول عمر أبو ریشة: رُبَّ، وامعتصماه، انطلقت ملء أفواه البنات الیتّمِ، لامست أسماعهم لکنّها، لم تلامس نخوة المعتصمِ». أی إن المفاهیم التقلیدیّة وانتظار القائد کی یحقق النصر یصلحان لکلِّ زمان ومکان. لکنّ بعض الشعر أتى لیهجو القادة العرب المسؤولین عن الهزیمة. الشاعر الیاس فرحات مثلاً قال: «وإذا لقیتَ ذوی الجلالة من ساداتنا المتحکّمین بنا، وذی السموّ وکل ذی لقب خاو کصاحبه قلیل غنى، فأهزأ بألقاب لهم سمنت وکرامة هزلت أسى وضنى، دیست بأقدام الیهود فیا شم الأنوف استنشقوا الدرنا». وإبراهیم طوقان حذّر شعراً من البکائیّات والمراثی فقال: «کفکف دموعک لیس ینفعک البکاء ولا العویل، وانهض ولا تشک الزمان، فما شکا إلا الکسول».

یعانی الخطاب من الاستعطاف الضعیف واستدرار الدموع


الحاج أمین الحسینی عاندَ فی خطابه إذ إنه لم یطوّرْ فیه. هو لم یعترف بالأذى الذی ألحقه بالقضیّة الفلسطینیّة من جراء علاقاته بالنظام النازی، لا بل لم یتوقّف عن الاستشهاد بهتلر. وشاب خطابه بعد النکبة نزعتان: ١) الاعتداد بالبطولة العسکریّة العربیّة فی مواجهة إسرائیل، و٢) الترکیز على خصائل الیهود فی محاولة لتبریر الهزیمة ولتفسیر التأیید الغربی للصهیونیّة. لکن ما نفع الاعتداد العسکری بعد الهزیمة؟ وما نفع البطولة بعد ضیاع الأرض؟ (وکانت هناک بطولات حقیقیّة فی معرکة فلسطین، لکن کان غالبها خارج نطاق أوامر الحکّام). لا، والحسینی استشهد بشهادة هتلر (الحسینی، «حقائق عن قضیّة فلسطین»، ص. ١٧.) فی سیاق اعتداده بالبطولة العربیّة (لکن هتلر لم یُشدْ بهذه البطولات العربیّة فی أی من خطبه وتصریحاته، لکنّ الحسینی نسبها إلى حدیث خاص بین هتلر وخالد القرقنی، مستشار عبد العزیز آل سعود. ولا یذکر الحسینی ما قاله هتلر من قبیح الکلام عن العرب).
أما أحمد الشقیری، فقد کانت الحیاة عنده خطبةٌ فقط. وفی مذکراته وأحادیثه أکثر من الاستشهاد بخطبه، خصوصاً فی الأمم المتحدة، وکیف أنه أفحم الصهاینة فی هذا الیوم أو ذاک. والشقیری تعبیر عن حالة الشعر الحماسی التی سادت فی الخطاب السیاسی العربی فی مقارعة إسرائیل. وهذا الخطاب لم یکن فی حد ذاته مسؤولاً عن هزیمة ١٩٦٧، لکنه کان مسؤولاً بدرجة کبیرة عن حالة الإحباط الشعبی التی سادت بعد الهزیمة، والتی کانت عنصراً من عناصر تیئیس الشعب العربی من مقاومة إسرائیل ــ وکانت دعایة الـ«موساد» جزءاً لا یتجزّأ من هذا الضخ فی الإعلام الرجعی العربی (الأردنی والخلیجی واللبنانی بصورة خاصّة).
والخطأ فی حالة الشقیری أنه اعتمد على عناصر قوّة غیر موجودة لدیه فی نبرة التحدّی والوعد بالنصر. صحیح أنه لم یقل ما قوَّله إیاه الصهاینة: مِن أنه هو الذی هدّد برمی الیهود فی البحر (نسبت جریدة «الیوم» اللبنانیّة کلاماً للشقیری فی ٣ حزیران، ١٩٦٧، لکن الکلام تحوّرَ کی یصبح ما صنعته الدعایة الصهیونیّة. راجع مقالة موشی شمش، «رمی الیهود فی البحر»، «دراسات إسرائیلیّة»، صیف ٢٠٠٣). وهذا التهدید المُفبرَک شکّل جزءاً من الدعایة الصهیونیّة على مدى عقود (نقلت مجلّة «المصوّر» المصریّة فی عام ١٩٤٨ عن حسن البنّا تهدیداً برمی الیهود فی البحر). أما أن أمر عملیّات سلاح الطیران الإسرائیلی الرسمی عشیّة حرب ١٩٦٧ کان قد تضمّن عبارة «دفع العرب نحو الصحراء»، فهذه لم تقلق الاعلام الغربی أو منظمّات تجارة حقوق الإنسان.
وإذا کان تعظیم قوّة غیر موجودة یؤدی إلى خلق انطباع خاطئ للرأی العام، فإن رسالة أحمد الشقیری لعبد الناصر فی أیّار، والتی وعد فیها بوضع «جمیع قوّات جیش التحریر الفلسطینی» تحت إمرة الحکومة المصریّة («الأهرام»، ٢٢ أیّار، ١٩٦٧)، هی نموذج عن زرع أوهام فی أذهان العامّة فوق قدرات «منظمّة التحریر الفلسطینیّة». لم یطل عهد الشقیری بعد الهزیمة، إذ إن مصیره ارتبط بها، وکان صعود المنظمّات الفدائیّة قد شکل بدیلاً من القیادة الخطابیّة للشقیری، کما أن القیادة الجدیدة أرادت تعزیز الإرادة الفلسطینیّة فی قیادة «منظمّة التحریر» (وعد یاسر فی شعاراته بـ«القرار الفلسطینی المستقل»، لکن الشعار لم یعنِ إلا التخلّی ظرفیّاً عن بعض الأنظمة العربیّة والالتحاق بالبعض الآخر).

عبد الناصر ونصر الله
إن مراجعة خطب جمال عبد الناصر فی ما یتعلّق بإسرائیل، تکشف جانباً غیر معروف عن الخطاب المصری آنذاک: بقدر ما کان خطاب عبد الناصر محسوباً وبدقّة حول مواجهة إسرائیل، فإن الإعلام المصری کان متفلّتاً بالکامل یعکس توجّهات مراکز القوى المختلفة. لکن الاعلام العربی بعد النکسة، وهو أصبح خاضعاً لمشیئة أنظمة الخلیج التی أسعدها أن تشمت بهزیمة الجیوش العربیّة، خلطَ بین خطاب عبد الناصر وخطاب أجهزة إعلامه. إن میزات التحکّم فی خطاب مقارعة إسرائیل یجب أن یخضع لمیزان الحسبان الدقیق، خصوصاً أن العدوّ واظب منذ ١٩٤٨ على تصیّد أیّ سقطة لفظیّة لغایات الدعایة أو شنّ الحروب (تغیّرت حسابات العدوّ بعد هزیمته فی حرب تمّوز). والخطاب الانفعالی طبع خطاب الأنظمة العربیّة: من النظام السعودی الذی لم یتوقّف عن إعلان «الجهاد» (اللفظی) «ضد الیهود» (وأحیاناً ضد النصارى فی خطب رجال الدین فی المملکة) إلى الأنظمة البعثیّة.


وبالرغم من الاستفزازات من قبل أعدائه الرجعیّین وهؤلاء الذین زایدوا على مواقفه من الصف البعثی، فإن عبد الناصر بقی متحکّماً فی خطابه نحو إسرائیل، ولم یماشِ الاتجاه السائد فی إطلاق التهدیدات الکبیرة، وإیهام الرأی العام بقدرات عظیمة. وهناک مَن یسخر إلى الیوم (لا تزال السخریة من عبد الناصر موضة فی إعلام آل سعود لأن حکام المملکة لم یُشفوا من حقدهم ضد عبد الناصر) من صواریخ «الظافر» و«القاهر» و«الرائد». لکن النظام المصری کان جادّاً فی بناء قدرات صاروخیّة، ونعلم الیوم من المواد المنشورة بالعبریّة، بناءً على وثائق إسرائیلیّة أُفرجَ عنها، کم أن العدوّ کان مهووساً بخطر الصواریخ المصریّة (راجع مثلاً کتاب رونن برغمان، «انهض واقتل أوّلاً: الاغتیالات الاستهدافیّة لإسرائیل»). والمراجع الاسرائیلیّة تتحدّث بإسهاب عن مطاردة وقتل العدوّ للعلماء الألمان الذین أسهموا فی برنامج الصواریخ المصریّة (والمواعظ الأخلاقیّة حول الاستعانة بعلماء ألمان لا تزال ترد فی الصحافة العربیّة الموالیّة للحکومة الأمیرکیّة، التی استعانت بالعلماء النازیّین، وبخبراء الـ«غستابو»، أکثر من أی دولة فی العالم. وهناک وثائق أمیرکیّة أُفرجَ عنها فی العقد الماضی تثبت أن الاستعانة الأمیرکیّة بالجهاز العسکری والاستخباری النازی کان أکبر بکثیر مما ظُنَ: إذ إن أجهزة الاستخبارات الأمیرکیّة جنّدت ضبّاط «غستابو» وضباط «إس.إس.» ومتعاونین نازیّین بدرجة کبیرة، وکافأتهم باستثنائهم من المعاقبة أو بالمساعدة فی تهریبهم).
لکن عبد الناصر کان یُعِدّ قدراته العسکریّة بالتدریج، وإن کان استُدرِجَ إلى حرب استنزاف فی الیمن رمى فیها کل أعدائه (العرب والغربیّین وإسرائیل) کل ثقلهم. ولم یکن عبد الناصر یتبجّح مثل زعماء البعث أو الشقیری بالقدرة الفوریّة على تحریر فلسطین، بل هو صارح الرأی العام العربی بعدم جاهزیّة جیشه. ویقول الصدیق کمال خلف الطویل، ذو المعرفة الموسوعیّة بالموضوع، عن مصارحة عبد الناصر: «هناک خطابان فارقان، حزیران ٦٢ أمام المجلس التشریعی لقطاع غزة وفیه قال: لیس عندی خطة لتحریر فلسطین، ومایو ٦٥ أمام المجلس الوطنی الفلسطینی وفیه قال: لن یجرنی أحد لسحب البولیس الدولی وإغلاق خلیج العقبة إلا عندما تکون قواتی جاهزة». تقارن هذه المصارحة مثلاً بخطب قائد الجیش اللبنانی (الحالی) الذی یتبجّح بقدرات لیست لدیه حول مواجهة عدوان إسرائیل عندما یقول إن الجیش «على أتم الجهوزیّة» لردّ عدوان إسرائیل والإرهاب التکفیری معاً. أی إن لجوزیف عون قدرات عسکریّة لا یعلم بها أحد إلاّه.
لکنّ خللاً وقعَ فی حساب عبد الناصر الدقیق فی الأسابیع التی سبقت الحرب. الرجل الذی کان یصوغ کلامه بدقّة وتحفّظ فی موضوع مقارعة إسرائیل، بالغ فی تقدیر القوّة الذاتیّة، وصدّق قسم عبد الحکیم عامر (برقبته) أن القوّات المصریة مستعدّة لقتال إسرائیل وهزیمتها. هو لم یعد بالبدء بالحرب، وکان حریصاً على القول إنها حرب دفاعیّة، لکنه فی حال وقعت الحرب وعد (فی خطابه أمام وفد العمّال العرب فی ٢٦ أیّار) بأنها ستکون شاملة، وأضاف «وحیکون هدفنا الأساسی هو تدمیر إسرائیل وإحنا نقدر نعمل کده» («الأهرام»، ٢٧ أیّار، ١٩٦٧). هذا الإعلان وغیاب الإعداد حتى للدفاع، أو عدم المبادءة بسبب تصدیقه لتعهّد أمیرکی بأن الحکومة فی واشنطن ستلوم من یبادر بالحرب، وضع عبد الناصر فی خانة القادة الانفعالیّین فی هذه اللحظة. ووقعت الواقعة.

لا عبد الناصر ولا «منظمة التحریر» استثمرا فی معرفة العدوّ کما استثمر «حزب الله»


لکن عبد الناصر لم یکن تحت ضغوط عادیّة یستطیع الکائن البشری أن یتحمّلها من دون تأثیر. لا یعلم إلا مَن عاش فی وهج زعامته، ولو طفلاً، مدى الآمال التی علّقها علیه العرب لحل کل مشکلاتهم على أنواعها، خصوصاً دفع الأذى الإسرائیلی وتحریر فلسطین. کما أن عبد الناصر وقع بین ضغوطات من طرفیْن: الطرف البعثی الذی زاید على عبد الناصر من الیسار ساخراً من مهادنته لإسرائیل، والطرف الأردنی ــ السعودی الذی قلّلَ من أهمیّة خطاب عبد الناصر المُناصر لشعب فلسطین على مدى سنوات. لکن القائد یجب علیه فی مواجهة العدو المتربّص عدم التأثّر بحسابات سیاسیّة مهما کانت کبیرة، أو الخضوع لضغوطات الأعداء. ونستطیع أن نقارن ذلک بالضغط والمزایدة التی تواجه حسن نصر الله الیوم: إعلام الأنظمة الخلیجیّة (وأدواتها فی کل العالم العربی) یحمّلونه ــ لا إسرائیل ــ المسؤولیّة عن أی حرب أو مواجهة تقع، کما فعلوا فی حرب تمّوز، لکنهم عندما تمرّ فترة لا تنطلق فیها النیران ضد إسرائیل یتهمونه بالاتفاق مع العدوّ تحت الطاولة ویسخرون من جدیّته فی محاربة إسرائیل. أی إن نیّة هؤلاء هی هزیمة العرب على ید إسرائیل، کی یتخلّصوا مرّة أخرى من قوى مقاومة تزعج النظام العربی الرسمی.
وفی هذا المجال تفوّق نصر الله على عبد الناصر فی الحساب الدقیق والتجرّد من الانفعال. والحساب الدقیق فی خطاب مقارعة العدو یستوجب قبل أی شیء معرفة عمیقة بالعدوّ وقدراته وخطابه ونظامه السیاسی (کان عبد الناصر یتابع أخبار العدوّ وکان من أوائل من أنهَوا مقاطعة معرفة العدو تحت شعار «اعرف عدوّک»). لکن لا عبد الناصر ولا «منظمة التحریر» استثمرا فی معرفة العدوّ کما استثمر «حزب الله». یکفی للتدلیل (وهذا مثال استشهد به دائماً فی المقارنة بین «منظمة التحریر» و«حزب الله») أن لـ«حزب الله» مدرسة لتعلیم العبریّة، فیما کانت کل الفصائل الفلسطینیّة تفتقر إلى طلقاء باللغة العبریّة، وکانوا یستعینون بمدرّسی العبریّة فی مؤسّسة الدراسات الفلسطینیّة. کما أن «حزب الله» نجح ــ وهو لبنانی ــ فی اختراق إسرائیل وتجنید جواسیس له أکثر من فصائل المقاومة. لا یکتفی «حزب الله» برصد إذاعة العدوّ (کما فعل النظام المصری وبعض فصائل المقاومة التی کانت تنشر مطبوعة عن رصد إذاعة العدوّ)، بل یزید علیها باختراق شبکة اتصالات العدوّ واختراق نظام البثّ فی طائرات التجسّس. یقول نصر الله إنه یصرف ساعات یومیّاً لموضوع دراسة العدوّ، الذی یشغله أکثر من أی موضوع آخر.
سخر نزار قبّانی (الذی أسهم مثل غیره فی «أدب» النقد الذاتی بعد الهزیمة والذی لم یکن إلا تشنیعاً عنصریّاً ذاتیّاً ذا نفس استشراقی) بعد الهزیمة من صیاح العرب، وقال فی «هوامش على دفتر النکسة»: «صراخنا أضخمُ من أصواتنا، وسیفُنا أطولُ من قاماتنا». وهذا صحیح فی الحالات التی سبقت تجربة المقاومة فی لبنان. وتهدیدات «حزب الله» لإسرائیل تنسجم بالضبط مع قدرات الحزب، فلا هی تعد بما لا تستطیع ولا تعد بما هو أقلّ مما تستطیع. أی هناک موازنة بین القدرات وخطاب المقارعة، ما أضفى على خطاب «حزب الله» مصداقیّة (عند العدوّ وعند العرب) افتقدتها التجارب الأخرى. کانت تجربة المقاومة الفلسطینیّة فی لبنان عبارة عن تهدیدات وتبجّح منفصل عن القدرات الذاتیّة. وکان یاسر عرفات یکرّر من عام ١٩٧٨ إلى عام ١٩٨٢ أن المقاومة الفلسطینیّة على أتمّ الاستعداد لمواجهة اجتیاح إسرائیل أکید. وأتى الاجتیاح وکانت المقاومة على درجة متدنیّة جداً من الاستعداد، ولم یکن هناک حد أدنى من تنسیق ردّ الفعل، ما أدّى إلى الانسحاب المذلّ، الذی أرّخ لبدء انتهاء الثورة الفلسطینیّة التی انطلقت بعد ١٩٦٧. وکان عرفات یهدّد بما لیس لدیه من قوّة، أو بما لیس ما ینظّمه من قوّة.
المقابلة الأخیرة لحسن نصر الله على شاشة «المنار» کانت مثالاً للتعامل الحریص فی الدعایة السیاسیّة والحرب النفسیّة ضد العدوّ. یعلم العدوّ أن نصر الله لا یبالغ فی قدراته ولا یهدّد بما لیس لدیه (تقارن ذلک بتهدیدات صدّام حسین فی صیف ١٩٩٠ عندما کان بسّام أبو شریف وغیره من فریق عرفات یتصلون بإدوارد سعید—کما أخبرنی الأخیر—لیبشّروه بسلاح «سرّی» یمتلکه صدّام، ومن شأنه قلب المعادلات فی المنطقة کلّها). کانت القامات أکبر من السیوف فی حرب تمّوز، إذ إن أداء المقاومة کان مُفاجئاً للجمیع ــ تبیّن ذلک من الوجوه الکالحة فی «١٤ آذار» إلى قادة العدوّ، إلى الشعب العربی الذی لم یألف إذلال جیش العدوّ إلى هذه الدرجة. واستخدمت المقاومة أسلحة لم نکن نعلم بوجودها (مثل الصواریخ المضادة للسفن). وطریقة التهدید ذی المصداقیّة تُزعج العدوّ، لأنه یعلم أن الرأی العام العربی والإسرائیلی لا یخلط بین تهدیدات نصر الله وتهدیدات أمین الحافظ أو یاسر عرفات أو قادة العرب فی ١٩٤٨ عندما وعد ریاض الصلح، بعد قمّة عربیّة قبل أشهر من النکبة، بأن هناک خطة سریّة لإنقاذ فلسطین.
خسر العدوّ سلاحاً ماضیاً فی یده عندما أصبح خطاب مقارعته لعدوِّه أقلّ مصداقیّة من خطاب المقاومة فی مقارعة إسرائیل. إن خطاب مقارعة إسرائیل تطوّر ونما. لکن المقاومة فی فلسطین لم تتعظ من تجربة مقاومة لبنان. لا تزال «کتائب القسّام» تبالغ فی تهدیداتها، وغالباً لا تنفّذها (وإن کان أداء المقاومة فی حروب غزة الأخیرة باهراً). التهدید بـ«سنجعل الأرض تزلزل تحت أقدامهم» تصلح لزمن الشقیری لا لزمن یجب أن یکون خطاب المقاومة فیه مدروساً ومتناسقاً ومتناسباً مع قدرات المقاومة، على أن یُستحسن أن یکون التهدید أقل بمثقال ذرّة من القدرات کی یتعرّض العدوّ لصدمة على أرض المعرکة. تغیّرت أوجه الصراع مع العدو کثیراً، والإعلام الخلیجی یعکس حالة التحالف مع إسرائیل، وهذا ینعکس فی التقلیل من حجم الخسائر المعنویّة والدعائیّة والعسکریّة التی لحقت بالعدوّ فی السنوات الأخیرة. تهدیدات المقاومة لم تعد کما کانت فی السبعینیّات. أنا، عندما أسمع نصر الله یتحدّث عن نقل المعرکة إلى الجلیل، تصیبنی نشوة وأبدأ بالتفکیر فی لوجستیات زیارة فلسطین فی حال حدث سقوط کیان الاحتلال على أیّامی.
* کاتب عربی (حسابه على «تویتر» asadabukhalil@)


اخبار 961

Parameter:422222!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)