|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1440/11/16]

لماذا سارع نِتنیاهو بالرّد على خطاب السیّد نصر الله والتهدید بتدمیر “حزب الله” ولبنان على غیر عادته؟  

لماذا سارع نِتنیاهو بالرّد على خطاب السیّد نصر الله والتهدید بتدمیر “حزب الله” ولبنان على غیر عادته؟ وما الجدید الذی أزعج الإسرائیلیین وورد فی هذا الخِطاب تحدیدًا؟

عبد الباری عطوان

لم یعُد الرأی العام العربی یتسمّر فی مُعظمه أمام شاشات التّلفزة للاستماع إلى خطاب أیّ زعیم عربی مُنذ رحیل الرئیس جمال عبد الناصر، قبل أربعین عامًا تقریبًا (أیلول سبتمبر عام 1970)، حتى جاء السیّد حسن نصر الله، زعیم المُقاومة الإسلامیّة فی لبنان، لیکسِر هذه القاعدة، لیس لأنّ الرجل یملک ملَکَة الخِطابة، ویُعزّز خُطبه السلسة بالمعلومات والتّحلیل الدّقیق الذی یعتمد على الحقائق، وإنّما أیضًا لأنّه یتمتّع بمصداقیّة وجرأة عالیة، وترکز بوصلته على القضیّة العربیّة المرکزیّة وهی تحریر الأرض والمقدسات فی فلسطین المحتلّة، ومُواجهة مشاریع الهیمنة والإذلال والتفتیت الأمریکیّة.

مُقابلة السیّد نصر الله الأخیرة مع تلفزیون “المنار” التابع للحزب مساء أمس الأوّل (الجمعة) کانت موضِع اهتمام الملایین، مُوالین کانوا أو مُعارضین، وحتى الإسرائیلیین وقیادتهم بشقّیها السیاسی والعسکری، الأمر الذی دفع الرقابة الأمنیّة الإسرائیلیّة إلى منع الصحف ومحطات التلفزة من نشر، أو بث، أیُ تحلیل لما ورد فیها، لأنّ التحلیلات، ومن قبل خُبراء عسکریین أو جنرالات سابقین، ترفع منسوب الخوف والتوجٍس لدى الرأی العام من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

أکثر ما أرعب الإسرائیلیین فی هذه المُقابلة، وحسب مُتابعتنا لتغطیة ما تیسّر من أجهزة الإعلام الإسرائیلیّة، تلویح السیّد نصر الله بخریطة لفلسطین المحتلّة، والساحل الغربی المتوسّطی، حیث الکثافة السکانیّة، والمصالح الحیویّة، مُحدّدًا بنک الأهداف الذی سیکون مُستهدفًا فی حال اندلاع الحرب، فقد تصدّرت هذه الصّورة التی جاءت ردًّا على نِتنیاهو بالأسلوب نفسه، الصّفحات الأولى لجمیع الصّحف ونشرات أخبار فی محطّات التلفزة الإسرائیلیّة.

***

صحیح أنّ السید نصر الله تحدّث عن القدرات الصاروخیّة العالیة عددًا ودقّةً، والتقدّم الکبیر الذی حقّقته قوات حزب الله البریّة والخبرات التی اکتسبتها جرّاء الحرب فی سوریة، ولکن النّقطة الأهم فی هذه المُقابلة قوله إنّ الحزب لا یحتاج إلى قنابل نوویّة أو کیماویّة، یکفی أن یُصیب صاروخ واحد مخازن الأمونیا الإسرائیلیّة السامّة فی میناء حیفا لتدمیر إسرائیل، وقتل عشرات وربّما مِئات الآلاف من مُواطنیها.

وقْع هذه المُقابلة القویّ والرعب الذی أحدثته فی نفوس الإسرائیلیین هُما اللذان دفعا بنیامین نِتنیاهو إلى التخلّی عن حالة التجاهل لمثل هذه المُقابلات والخِطابات التی کان یتمسّک فیها فی السابق کنوعٍ من اللامُبالاة والاستعلاء، وإطلاق تصریحات ناریّة یُهدّد فیها بتوجیه ضربة قاصمة لحزب الله ولبنان “إذا ما أقدم حزب الله على أیّ “حماقة” وهاجم إسرائیل”.

فعندما یُهدّد السید نصر الله بإعادة إسرائیل إلى العصر الحجری، رغم أنها لم تعش هذه الفترة لعمرها القصیر، لأنّها لم تکن موجودة أصلًا، ولا یوجد لها أیّ إرث حضاری فی فلسطین والمنطقة، فإنّه یرد على نِتنیاهو والقادة الإسرائیلیین بالأسلوب نفسه، ویترک لهم العودة إلى الوراء وتخیّل أنفسهم، مجرّد تخیّل، إنّهم سیعیشون فی هذا العصر الذی لا یعرفونه، ولا بأس أن یجرّبوا الحیاة فی ظلّه، هذا إذا بقوا ودولتهم على قید الحیاة، فالرجل عاقد العزم على الصّلاة فی الأقصى، ویتطلّع إلى أن یؤم الملایین، وهذه الأمنیة المشروعة لا یُمکن أن تُحقّق إلا بعد التحریر الکامل للأراضی المحتلة، وهذا أمر غیر مُستبعد، واحتمال وارد، وأذکّر أنً جون سمبسون، کبیر المحلّلین السیاسیین فی شبکة “بی بی سی” ختم سلسلة تقاریر أعدّها بمُناسبة نصف قرن على قیام دولة إسرائیل مُشکّکًا ومُتسائلًا “هل ستحتفل هذه الدولة بمئة عام على قیامها” فی ظِل انقساماتها وتغیّر الظّروف من حولها؟

لا نعتقد أنّ تهدیدات نِتنیاهو لحزب الله ولبنان بالدمار الشامل ستُعطی أوکلها، وتُرهب اللبنانیین بالتّالی، لأن الجیش الإسرائیلی هُزِم ثلاث مرّات فی لبنان على أیدی رجال المُقاومة اللبنانیّة والفِلسطینیّة، بل على العکس أعطت نتائج عکسیّة، وارتدّت سلبًا على الإسرائیلیین أنفسهم.

السیّد نصر الله لا یُرید الحرب، ولا نعتقد أنّ نِتنیاهو یُریدها أیضًا، ولکنّها قادمة لا محالة، والسؤال الأهم هو عمّا إذا کانت الدولة العبریّة تستطیع أن تعیش بشکلٍ طبیعی، وتنعم بالاستقرار والأمن وسط غابة من مئات الآلاف من الصواریخ تُحیط بها من کُل جانب فی وقتٍ لم تعد التکنولوجیا الأمریکیّة وجیشها الذی لا یُقهر بات غیر قادر على حمایتها بالصّورة التی کان علیها الحال فی الماضی القریب.

نِتنیاهو لم یجد ما یتباهى به فی تصریحاته التی حاول فیها تبدید قلق مُواطنیه من خطاب السیّد نصر الله غیر الحدیث عن تدمیر سبعة أنفاق حفَرها الحزب تحت الحدود اللبنانیّة الفِلسطینیّة قبل عُقود فی أیّام معدودة، ونسِی وهو الذی یدّعی الدهاء والذکاء، أن هذه الأنفاق سلاح قدیم تجاوزته الصواریخ الدقیقة، والطائرات المُسیّرة المُلغّمة، والتکنولوجیا الحدیثة، تمامًا مثلما تجاوزت التفوّق الجویّ الإسرائیلیّ الذی کان حاسمًا فی الحُروب السابقة، وضِد أنظمة وجیوش عربیّة فاسدة وقیادتها مُختَرقة.

یکفی الإشارة إلى حالة الرعب التی یعیشها نِتنیاهو من جرّاء تهدید حرکتیّ حماس والجهاد الإسلامی بالانتقام للشهید محمود الأدهم الذی سقط برصاصةٍ إسرائیلیّةٍ قُرب الحُدود شمالیّ القِطاع، الأمر الذی دفع هذا النّتنیاهو المُتغَطرس إلى الاعتذار، والتّأکید أنّ هذه لجریمة لم تکُن مقصودةً، ووقعت بطریقِ الخطأ، واستِجداء وساطة مصریّة سریعة لمنع أیّ ردٍّ انتقامیّ.

***

متى کان نِتنیاهو یعرف شیئًا اسمه الاعتذار؟ ومتى کان یتحدّث عن قتل عن طریق الخطأ؟ ومتى کان یستجدی الوساطات لتجنّب الرّد المُدمّر بصواریخ المُقاومة انطلاقًا من قِطاع غزّة المُحاصر المُجوّع؟

ثقافة الثّقة بالنّفس النّابعة عن الإیمان والاعتماد على الرجال فی صُفوف قوّاته، التی یتحلّى بها السیّد نصر الله، وتظهر جلیًّا فی خِطاباته ومُقابلاته، أصبحت أکثر ما یُزعج الإسرائیلیین ویقض مضاجعهم، وباتت ثقةً عابرةً للحُدود، وتترسّخ فی لبنان والعراق وسوریة وقِطاع غزّة حیث تتواجد توائم المُقاومة اللبنانیّة بقُوّةٍ واقتدار، تمامًا مِثل ثقافة المُقاومة التی تعود وتترسّخ مُجدّدًا وتتعمّق جُذورها على أکثر من جبهة، وتُشکّل مُعادلات ردع غیر مَسبوقة.

الزمن یتغیّر، وإسرائیل هی التی باتت تخشى الحُروب وترتعد من مُجرّد ذکرها، وسُبحان مُغیّر الأحوال.. الذی یُمهِل ولا یُهمِل.. والأیّام بیننا.

 

رأی الیوم

منبع:
Parameter:421185!model&4354 -LayoutId:4354 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(فارسی)