|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1442/03/16]

بین الواقع العربی المتناقض والاتفاق السودانی الإسرائیلی  

بین الواقع العربی المتناقض والاتفاق السودانی الإسرائیلی

 شفیق ناظم الغبرا

السبت 31 أکتوبر 2020 م

بین الواقع العربی المتناقض والاتفاق السودانی الإسرائیلی

ستکون إسرائیل بعین العاصفة بأکثر ما تتوقع أو تتمنى. التناقضات القادمة ستکون کاشفة.

إسرائیل ستحاول حمایة أصدقائها الجدد، لکن تاریخها یؤکد على مدى فشلها فی فعل ذلک فی العالم العربی والإسلامی.

السـؤال کیف خسرت إسرائیل إیران الشاه وترکیا قبل أردوغان وما ضمانة حفاظها على السودان وغیرها فی دائرتها؟

سیؤثر الاتفاق على المجلس السیادی بالسودان والتوازن بین القوى المدنیة والعسکریة. فهل یتحمل السودان دیکتاتوریة جدیدة؟.

إسرائیل بروحها العنصریة وکراهیتها لشعوب الإقلیم وعقلیتها الاستعلائیة دخلت فی قلب الإقلیم العربی فأصبحت فی صدام مباشر مع التحرر العربی القادم

*     *     *

علاقات إسرائیل التحالفیة مع العرب لا تخرج عن الاطار التاریخی لنشوئها والمرتبط بالقوة والفرض والتطهیر العرقی. فمن أقام دولته على المصادرة وأخذ وطن لیس له أن یقدم للدول الأخرى سوى الخدمات الأمنیة والعسکریة والتکنولوجیة المتوفرة فی دول کثیرة فی العالم.

لکن من جهة أخرى إسرائیل متخصصة فی بیع الوهم بأن العلاقة معها هی المدخل للولایات المتحدة، وأن تلک العلاقة تعطی صک براءة عن جرائم الحرب وانتهاکات حقوق الإنسان. لکن الانتخابات الأمریکیة بعد أیام وقد یجد الکثیر ممن راهنوا على البیت الأبیض أن المعادلات الأمریکیة قد تغیرت.

لقد باعت إسرائیل ذات الوهم للرئیس العراقی صدام حسین اثناء الحرب العراقیة الأمریکیة فی أواسط ثمانینیات القرن العشرین دون أن یتطور الأمر کثیرا، کما وباعت ذات الوهم للرئیس السادات 1979 الذی انتهى بکامب دیفید، کما وللأردن عبر مراحل مختلفة من تاریخه.

لکن إسرائیل تتحرک وفق مصالح الصهیونیة، فهی التی سعت لأن یتفق العرب معها، وهی نفسها التی تسعى بکل وسیلة لتقزیم مصر وتهدید الأردن.

إسرائیل حلیفة الدیکتاتوریات فی العالم کما وفی الشرق الأوسط لم تتغیر منذ نشوئها. بل إن التوجه العنصری الذی یضطهد العرب فی فلسطین ویحاسبهم لعدم یهودیتهم یعکس نظرة إسرائیل للعالم العربی، فهی نظرة شک وریبة وإملاء واختراق وکراهیة.

لقد دعمت إسرائیل جنوب افریقیا العنصریة للنهایة بینما کان ماندیلا فی السجن. هی نفسها التی سعت لتنظیف سجل الرئیس الزائیری موبوتو، مع اعطائه الوعد فی 1982 بأن إسرائیل من خلال منظماتها فی أمریکا ستعمل لتحسین صورة زائیر.

حتى إیمیلدا مارکوز زوجة دیکتاتور الفیلیبین الشهیر عبرت عن رغبتها فی علاقة مع إسرائیل لتغیر صورة الفیلیبین السیئة فی العاصمة الأمریکیة.

إن توصل إسرائیل للتفاهم مع عدد من الدول العربیة ینطلق من أن العدو الحقیقی لهذا التفاهم الجدید: النظام الدیمقراطی الشعبی التمثیلی المساءل. فالعدو لهذا الحلف هو حکم الشعب بالشعب وهو النقد والتعبیر الحر والإعلام المفتوح.

لم یعد العداء للشیوعیة، ولا للإرهاب هو الفیصل، بینما حملة التحریض على الإخوان المسلمین أصبحت قمیص عثمان الذی یخفی وراءه عداء للمجتمع المدنی وللدیمقراطیة وسعی لبناء دیکتاتوریات جدیدة.

لا یبدو من الدقة القول بأن إیران هی السبب الاساسی لهذا التطبیع، وقد تکون ترکیا عنصرا آخر من عناصر الموقف لأنه وفق السیاسة الأمریکیة لابد من احتواء کل قوة اقلیمیة تؤثر على الهیمنة الأمریکیة والإسرائیلیة.

لکن ذلک الزمن بدأ یتغیر، ومن الصعب منع نمو قوى إقلیمیة قویة فی ظل تراجع کونی وإقلیمی لدور الولایات المتحدة. لکن بنفس الوقت إن حراک شعوب الاقلیم العربی المحتمل فی ظل الانسحاب الأمریکی على مراحل هو عدو للکثیر من الأنظمة منذ 2011.

ولینجح الاتفاق الجدید بین إسرائیل والسودان والذی تم برعایة إماراتیة أمریکیة منذ أیام لا بد من أن یتحول السودان لدیکتاتوریة عسکریة جدیدة، ولکی تحقق الاتفاقات الجدیدة دورها لا بد من بتر کل تعبیر وحریة رأی بما فیها الآراء الناقدة لإسرائیل.

سیؤثر الاتفاق على المجلس السیادی فی السودان والتوازن بین القوى المدنیة والعسکریة. فهل یتحمل السودان دیکتاتوریة جدیدة؟!

إن الاتفاقات الراهنة لن تنجح على المدى المتوسط، لکن مشروع بناء شرق أوسط سلطوی معاد للحریات والدیمقراطیة والتیارات الشعبیة والقضیة الفلسطینیة ماض فی طریقه. نحن أمام شکل جدید لحلف بغداد الذی أسقطته الشعوب العربیة.

الاتفاق مع السودان عبث سیاسی مارسه ترامب قبل الانتخابات الأمریکیة فی الثالث من تشرین الثانی-نوفمبر 2020 بأیام. والرئیس ترامب معتاد على استخدام الضعفاء فی تحریک ما یرید، لکنه لا یفکر فی القادم، وکیف یمکن لخطواته أن تحرک منطقة الشرق العربی بعیدا عن الولایات المتحدة.

من یتابع الاتفاق السودانی الإسرائیلی سیتضح له انه اتفاق إملاء، فمقابل رفع السودان عن لائحة الارهاب، یتم التطبیع مع إسرائیل. هذا یبرر لإیران ودول کثیرة تخضع للعقوبات الأمریکیة، بل لن استغرب بروز جبهة عالمیة ضد العقوبات الأمریکیة من دول شتى.

وسیضع الاتفاق السوادنی مع إسرائیل الأساس لبعض صفقات السلاح، ومزید من التکنولوجیا للمراقبة والسیطرة الداخلیة، وسیعنی الاختراق الإسرائیلی للسودان محاولة استغلال خیراته.

بل لن تقوم إسرائیل بتغیر خارطة الزراعة فی السودان، هذا یتطلب سواعد سودانیة ولیس إسرائیلیة. لکن الأهم انه رفع السودان عن لائحة الإرهاب قد لا یکون عملیة دائمة، ومع أی تغیر فی السیاسة السودانیة بإمکان العقوبات أن تعود.

وسیؤدی الاتفاق السودانی الاماراتی لعسکرة البحر الأحمر حیث قاعدة ترکیة وأخرى إماراتیة فی اریتریا، وقد تنشأ قاعدة إسرائیلیة على الأراضی السودانیة المطلة على البحر الأحمر. العسکرة ممتدة من البحر الأحمر لمنطقة الخلیج وإیران بنفس الوقت. هذا وضع قابل للاشتعال.

إسرائیل ستحاول حمایة أصدقائها الجدد، لکن تاریخها یؤکد على مدى فشلها فی فعل ذلک فی العالم العربی والإسلامی، بل کان لإسرائیل مواقع وسیطرة فی کل من ایران قبل الثورة الاسلامیة 1979 وفی ترکیا قبل مجیء اردوغان کرئیس للوزراء فی بدایات الالفیة الثانیة.

السـؤال کیف خسرت إسرائیل هذه الدول والشعوب، وما ضمانة حفاظها على السودان وغیرها فی دائرتها؟

إن إسرائیل بروحها العنصریة، وبکراهیتها لشعوب الإقلیم، وبعقلیتها الاستعلائیة، قد دخلت فی قلب الإقلیم العربی. وهذا یعنی أنها اصبحت فی صدام مباشر مع آفاق التحرر العربی القادم، ستکون بعین العاصفة بأکثر ما تتوقع أو تتمنى. التناقضات القادمة ستکون کاشفة.

 

* د. شفیق ناظم الغبرا استاذ العلوم السیاسیة فی جامعة الکویت

المصدر | القدس العربی

 

الخلیج الجدید

 

Parameter:464818!model&8309 -LayoutId:8309 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(عربی)