|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
0.0 (0)
[1441/06/19]

ما هی أسباب الرفض الإیرانی لمشروع “صفقة القرن”؟  

لا بدّ فی البدایة من الوقوف على طبیعة هذا الصفقه التی ظاهرها الانتداب وباطنها الاغتصاب بغیة تشریحها وتحدید ماهیتها، لأنّ ماهیة هذه الصفقة کانت سبباً رئیسیاً للرفض الإیرانی لها، فعلى الرغم من ادعاء الرئیس الصهیونی الأمریکی ترامب بأن صفقته حلّاً  للصراع الفلسطینی – الإسرائیلی، وبأنّه جاء به لإحلال السلام فی الشرق الأوسط، إلا أنّ فشل فی إخفاء تأییده للکیان الإسرائیلی، وحقیقة الأمر أنّ هذه الصفقة جاءت لترسیخ الانقسام والاحتلال ولإشعال الصراع بین الکیان الإسرائیلی وبین من یعنیه الأمر کأصحاب القضیة مثلاً وحلفائهم.

ما هی أسباب الرفض الإیرانی لمشروع “صفقة القرن”؟

د. ساعود جمال ساعود

لا بدّ فی البدایة من الوقوف على طبیعة هذا الصفقه التی ظاهرها الانتداب وباطنها الاغتصاب بغیة تشریحها وتحدید ماهیتها، لأنّ ماهیة هذه الصفقة کانت سبباً رئیسیاً للرفض الإیرانی لها، فعلى الرغم من ادعاء الرئیس الصهیونی الأمریکی ترامب بأن صفقته حلّاً  للصراع الفلسطینی – الإسرائیلی، وبأنّه جاء به لإحلال السلام فی الشرق الأوسط، إلا أنّ فشل فی إخفاء تأییده للکیان الإسرائیلی، وحقیقة الأمر أنّ هذه الصفقة جاءت لترسیخ الانقسام والاحتلال ولإشعال الصراع بین الکیان الإسرائیلی وبین من یعنیه الأمر کأصحاب القضیة مثلاً وحلفائهم.

ولعل ما یثبت أنّ هذه الصفقة جاءت لترسیخ الانقسام والاحتلال أنّ هذه الصفقة تقوم على استمرار السیطرة الاسرائیلیة على معظم الأراضی الفلسطینیة ذات الأهمیة الاستراتیجیة التی تفوق نظرائها من المناطق الأخرى من قبیل ضم الکتل الاستیطانیة الضخمة فی الضفة الغربیة إلى الکیان الإسرائیلی المغتصب، وبقاء مدینة القدس تحت الاحتلال الاسرائیلی، وتخصیص أجزاء من الجانب الشرقی من المدینة للعاصمة الفلسطینیة، إضافة إلى سیطرة العدو الإسرائیلی على غور الأردن لیقاسموا بذلک الفلسطینیین على حقهم وأرضهم، ولا أدل على هذا من حالة الضعف اللامتناهی التی وصلت لها الدول العربیة، علماُ أنّ الاستشهاد والاستنجاد بهاتین الکلمتین ” الدول العربیة” قد بات مثیراً للسخریة، ولکن لا بدّ من قولهما.

نعم أیها السادة، إنّ ماهیة هذه الصفقة – کما أسلفت- سببٌ رئیسی للرفض الإیرانی لها، وذلک بالنظر لما احتوته من مضامین خبیثة لها دلالاتها الخطیرة على واقع ومستقبل فلسطین بشکلٍ خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشکل عام، وفی الحقیقة عکست صفقة الأمریکی العدید من الأمور التی یجب التنبّه لها، والتی تبرز باعتبارها أسباباً موجبة وداعیة للرفض الإیرانی لها تتراوح ما بین أسبابٍ تتعلّق بطبیعة صفقة القرن ذاتها وأخرى تتعلّق بالمرتکز الایدیولوجی للجمهوریة الإسلامیة وصولاً إلى أخرى تتعلق بحمایة الأمن القومی الإیرانی من شر ما یهدّده، وفیما یلی عرضٌ لأهمّها:

أولها: کلمة استعماری التی ظنناه قد استهلکت لغیر رجعة ولکن للأسف، إن أقوال من نسمیهم مجانین وتوقعاتهم هی الصحیحة.

وثانیها: إنّ هذه التسویة الأمریکیة هی بالفعل صفقة ولکن بالنسبة لهم ولحلفائهم، وأمّا بالنسبة لأصحاب الأرض الذین لا یجدون من یقف معهم إلا بالشعارات المعدّة للاستهلاک الغذائی لأصحاب الکروش، وأیضاً للاستهلاک الإعلامی للقنوات صاحبة الدفقات الشعوریة الغریبة.

وثالثها: إن صفقة القرن أی الواحد والعشرین هی إنجاز لرئیس أمریکی أثبت للعلن أنّ أمریکا رغم ضخامتها على الصعد المتعدّدة إلا أنّها هی مارد الفانوس السحری الذی ینفذ طلبات وأوامر اسرائیل وقادتها، وهی من یلبی احتیاجاتها، عکس المشاع فی أدیباتنا السیاسیة بأنّ اسرائیل قاعدة متقدمة تعمل لصالح أمریکا، بل العکس صحیح.

ورابعها: إن مشروع صفقة القرن الاستعماری جزء لا یتجزأ من المشاریع الصهیونیة الأمریکیة التی سبقتها من قبیل مشروع الفوضى الخلاقة، ومشروع الشرق الأوسط الجدید، حیث یتلاقى هدف هذا المشروع مع ما سبقه من مشاریع استعماریة من عدّة نواحی منها تقسیم المنطقة العربیة، وقد نجحت، وتفتیت أمل وحدة العرب وقد نجحت، وضرب القومیة العربیة بجعل العرب یستهدفون العرب وقد نجحت وهذا ما حصل فی سوریة الحبیبة حیث الدول البدویة البدائیة هی العدو الأول وصاحبة الدور الأول فی استهداف سوریة أرضاً وشعباً، إضافة إلى تأمین أمن “اسرائیل” وقد نجحت، وضرب الأمن الاجتماعی والثقافی للعرب وقد نجحت ولا داعی للمکابرة، والأهم ما لحق بالسمعة العالمیة للإسلام جراء توظیف خوارج العصر وإخوان الشیطان للتصرّف باسمه فقتل الإنسان، وتخریب الأوطان، وتکفیر الأدیان، وظائفٌ عملت علیها أجهزت الاستخبارات العالمیة مختارة من أتباعها من ینفذ أجندتهم.

خامسها: صفقة قسریة ولیست طوعیة، فترامب هو القائل: ” واشنطن مستعدة للاعتراف بالسیادة الإسرائیلیة على أراض محتلة” فکلمة أرض محتله خرجت من فمه، کذلک وصف صفقته بـ”حل واقعی بدولتین” هذا اشارة أن وجود الکیان المغتصب مستمر أبدی، وأی محاولة لإزالته ستقابل بحرب وجودیة.

سادساً: إنّ الکیان الصهیونی عدو مشترک لإیران وفلسطین وهذا رکیزة ایدیولوجیة تقوم علیها الثورة الإسلامیة، کما أنّ  الممارسات الأمریکیة تستهدفهما معاً دونما أی تفریق، فکلا الدولتین امتداد للأخر.

سابعاً: هنالک سببٌ دستوری یتعلّق بالأسس الایدیولوجیة التی تقوم علیها الجمهوریة الإسلامیة الإیرانی، تقف وراء الرفض الإیرانی لصفقة القرن منها مثلاً المادة الثانیة من الدستور الإیرانی: “یقوم نظام الجمهوریة الإسلامیة على أساس رفض جمیع أشکال الاضطهاد، سواء بفرضه أو الخضوع له، وجمیع أشکال الهیمنة، سواء بفرضها”، کذلک البند الخامس من المادة الثانیة تقر أنّ: “طرد الاستعمار کلیة ومکافحة النفوذ الأجنبی”، والأهم البند السادس عشر:” صیاغة السیاسیة الخارجیة للبلاد على أساس المعاییر الإسلامیة والالتزامات الأخویة تجاه جمیع المسلمین، وتوفیر الدعم الکامل لمستضعفی العالم.

ثامناً: إنّ استمرار الوجود الإسرائیلی وتثبیت دعائمه فی منطقة الشرق الأوسط یحمل فی طیاته تهدیداً للأمن القومی الإیرانی، وعلى العکس إن العمل ضد وجود وضد تثبیت أرکانه أکثر کما فی مشروع صفقة القرن، یحمی ویخدم ویعزز الأمن القومی الإیرانی فی حال نجاحهم بإزالة الکتلة السرطانیة “الاسرائیلیة” وتهدید وجودها واستمرارها.

تاسعاً: مخاطر صفقة القرن على منطقة الشرق الأوسط بشکل عام من زاویة استمرار وجود الکیان المغتصب إلى ما لا نهایة فی ظل تطبیع الأغلبیة الإعرابیة البدویة من جهة وفی ظل العمل على ضرب أمن واستقرار الدول الرافضة لهذا الکیان الغاصب، هنا تضارب السیاسات الإقلیمیة وتعاضها سبب خفی أیضاً، ولکن فی الغابة الدولیة من حق الدول تعزیز أمنها واستقرارها وتأمین أوصالها من القطع على حساب بعضها البعض، وهنا طفح الکیل من المتسائلین والمحلیین!! فما الذی بقی مخفیاً غیر معلوم فی السیاسیة وتصرفات الدول فی هذا الوقت؟! صدقاً لا أعرف، لأنّ المخفی ظهر، والجسم القریب من العین لا یرى لشدّه قربه.

عاشراً: الرغبة فی الظهور أمام الرأی العام العالمی عموماً والعربی خصوصاً بمظهر المدافع الصادق والثابت عن القضایا الإسلامیة، وهی ناجحة بذلک بسبب التخاذل الذی ساد الصف العربی بالنسبة للبعض المتواطئ مع الأمریکی والإسرائیلی کحکومات لا شعوب، الأمر الذی کشف حقیقة تخلی البعض العربی المسلم عن کرامة قومیتهم ودینهم الإسلامی فالتغنّی بالأقصى مجرّد أغنیة ترفیهیة، بدلیل التطبیع العربی عموماً والخلیجی خاصّة مع “اسرائیل”، وخذلان القضیة الفلسطینیة أمران ظهرا للعلن فور الإعلان عن شیطان العصر، حیث أعلن الرئیس الأمریکی دونالد ترامب المعروفة باسم “صفقة القرن”، وسط حضور سفراء عمان والإمارات والبحرین.

بالنتیجة من الطبیعی جداً أن تلقى صفقة القرن الرفض من قِبل إیران لأنّها تتعارض مع مصالحها الأمنیة والسیاسیة والعسکریة وحتى من ناحیة ثوابتها الایدیولوجیة، فالجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة من بین الأطراف الدولیة التی تقف مع الشعب الفلسطینی وعلى الأرجح سیکون لها لمستها الخاصّة ودورها الفعّال فی أی عمل یصب لصالح القضیة الفلسطینیة ولصالح الشعب الفلسطینی. إیران التی قصفت منذ أیام قاعدة عین أسد الأمریکیة ولم تخشى الجبروت والعتو الأمریکی،  إیران الیوم تقف کوقفتها فی الأمس مع فلسطین أرضاً وشعباً، وما أکّده  الحرس الثوری الإیرانی صحیح بنظری لا یتداخله أی شک -حسب طهران ـ وکالات – حول استعداد إیران للعمل على إفشال خطة واشنطن للسلام بین الفلسطینیین والإسرائیلیین المعروفة إعلامیا بـ”صفقة القرن”، وهذا أمر غیر مستغرب من إیران، والحل لمعالجة ما تقوم به أمریکا واسرائیل هو العمل العسکری فقط، لأنّ الدبلوماسیة والتحرّکات السیاسیة لا ولن تُجدی نفعاً، خصوصاً فی ظل عالم الیوم بعد أن اتضح أنّ المنظمات الدولیة تابعه للصهیونی الأمریکی، وأن غالبیة الدول العربیة متواطئة مع الصهیونی الأمریکی باستثناء قلة قلیلة، ولعل هذه المعرفة المبطنّة والشعور الراسخ والمبدأ العقائدی والیقین الثوری والعزیمة على عدم السماح للإسرائیلی بالصعود إقلیمیاً على حساب إیران وحلفائها وما یدخل فی صلب اهتمامها وسیاساتها هو ما دفع الإمام الخامنئی للقول مناسبة الذکرى الـ41 للثورة الإسلامیة فی إیران إن “صفقة القرن ستموت قبل أن یموت ترامب”، هذا القول الذی صدّر عن صانع السیاسات العامة فی إیران داخلیاً وخارجیاً بموجب المادة الدستوریة رقم 101، وعن ثقة بالقدرات الإیرانیة والمعرفة بما تخطط له أمریکا الإسرائیلیة فی المنطقة العربیة خصوصاً ومنطقة الشرق الأوسط عموماً.

کاتب سوری دکتوراه فی العلوم السیاسیة

 

رأی الیوم

Parameter:453212!model&8309 -LayoutId:8309 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(عربی)