|
|
المؤتمر الدولی لدعم الإنتفاضة الفلسطینیة
 » المؤتمر » آرشیف المؤتمرات » المؤتمر الثالث
0.0 (0)
[1438/05/09]

کلمة ولی أمر المسلمین سماحة آیة الله العظمى السید علی الخامنئی قائد الثورة الإسلامیة فی المؤتمر الدولی الثالث للقدس ودعم حقوق الشعب الفلسطینی  

المؤتمر الدولی الثالث للقدس ودعم حقوق الشعب الفلسطینی         14 – Apr- 2006

ولی أمر المسلمین: إنّ العصر الحاضر هو عصر الصحوة الإسلامیة

ألقى ولی أمر المسلمین سماحة آیة الله العظمى السید علی الخامنئی مساء الیوم الجمعة کلمة فی المؤتمر الدولی الثالث للقدس ودعم حقوق الشعب الفلسطینی، فیما یلی نصها:

قبل البدء أرجو من الإخوة والأخوات الحضور قراءة سورة الفاتحة على أرواح الشهداء الذین سقطوا فی الأیام القلیلة الماضیة على أرض «فلسطین» المقدسة. ...

 

بسم الله الرحمن الرحیم


الحمد لله رب العالمین والصلاة والسلام على الرسول الأعظم الأمین وعلى آله الطاهرین وصحبه المنتجبین.


أرحب بضیوفنا الأعزّة السادة العلماء والمفکرین والساسة والمجاهدین والمرابطین على الحدود العقائدیة والجهادیة للإسلام.


لقد جاء اجتماعکم هذا لتبادل الأفکار ووضع الحلول المناسبة لأبشع الکوارث التی تواجهها الأمة الإسلامیة فی التاریخ المعاصر إثر مؤامرات الاستعمار وأعنی بذلک احتلال فلسطین والقدس الشریف.


إن تزامن انعقاد هذا المؤتمر مع الذکرى السنویة لمیلاد الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلّم) فی السنة التی شرفها الشعب الإیرانی بإسمه المبارک یجب أن یشکل لنا جمیعاً منبعاً ملهماً للجهاد والاتحاد والعزم الراسخ والوثوق بالوعد الإلهی وموفراً لأرضیة نزول الرحمة والنصر الإلهیین إن شاء الله تعالى.


إن العصر الحاضر هو عصر الصحوة الإسلامیة وفلسطین تحتل قلب هذه الصحوة.


یمضی الآن ما یقرب من ستین عاماً على احتلال فلسطین، حیث مرّ الشعب الفلسطینی المضطهد بفترات ملأى بالمحن والابتلائات المتنوعة بدءً بأنماط المقاومة المظلومة الیائسة والتهجیر والغربة ورؤیة دمار الأهل والدیار والقتل الجماعی للأعزة والأقارب وانتهاءً باللجوء إلى المحافل الدولیة ومواجهة التعامل السیاسی العقیم والمقامرة الخاسرة والمفاوضات مع المحتل وتوسیط القوى التی کانت هی  فی الواقع  المجرم الأصلی فی نشوء واستدامة هذه المحن. إن نتاج هذه التجارب التاریخیة أوصل الجیل الجدید الصاعد لذلک الشعب الباسل الرشید إلى ذروة الوعی والتحرر وفجر برکان الانتفاضة.


أما على الطرف الآخر فقد امتدت مسیرة أخرى ذات مراحل مختلفة: وحشیة مطلقة العنان لا تعرف الرحمة وإبادة للأجیال ودمار حاقد واعتدائات عسکریة على الدول المجاورة ورفع شعار «من النیل إلى الفرات» إلى الاعتداء السیاسی والاقتصادی على المنطقة مستغلاً ضعف بعض الساسة فی العالم الإسلامی وخیانتهم. وفجأةً راح یواجه صحوة الأسد الفلسطینی الغافی والانتفاضة الصاخبة لشعب متبرم ثائر. وکان حاصل هذه المسیرة المتلاطمة التی اعتمدت باستمرار على ثروة دولتی أمریکا وإنجلترا وقدرتیهما ودعمهما المخزی للصهاینة المجرمین، أن استولى الیأس والتردد والخور على قادة النظام الغاصب الیوم حیث واجهوا المد الصاخب والمتصاعد للصحوة الإسلامیة.


صحیح إن فلسطین الیوم تشکل مسرحاً لأقسى الجرائم البشریة على ید الصهاینة الغرباء الغاصبین بحق أصحابها المضطهدین وتجری على تلک الأرض وبشکل استثنائی أبشع أنماط الظلم وبصورة سافرة یتباهى بها النظام الصهیونی إلا ان نظرة فاحصة إلى مجمل هذه المسیرة ذات الستین عاماً یکشف عن حقیقة مروعة لها عبرتها ولیست هی إلى تغیّر المشهد وتبادل مواقع القدرة على الجبهتین، على صعید فلسطین نفسها وعلى مستوى الشرق الأوسط والعالم الإسلامى الذی خطط ونفذ الساسة الغربیون من خلال اغتصاب فلسطین فی الأساس للهیمنة والسیطرة البعیدة الأمد والمضمونة علیه.


لنتصور فلسطین فی العقد الرابع من القرن العشرین وهی أرض تقع فی قلب العالم العربی، بلد فقیر وحکومة ضعیفة وشعب غافل وجیران عملاء للاستعمار وقد عملت دولة غربیة هی الأغنى والأکثر سلاحاً والأشد شراً بتحریض من الصهاینة على سلبها من أیدی المسلمین وتسلیمها لحزب عنصری عدوانی إرهابی تدعمه کل الدول الغربیة وکلا العملاقین السیاسیین المتنازعین فی العالم.


وکانت الدول العمیلة فی المنطقة من قبیل إیران البهلویة وبعض الدول الأخرى قد أعرضت عن إسلامها وعروبتها وانخرطت فی خدمة ذلک النظام، فی حین وضع الجمیع المال والسلاح والعلم والصناعة تحت تصرفه وکانت أمریکا تمثل القیّم والمحامی الداعم أمّا الإتحاد السوفیتی فکانت هذه المسألة الوحیدة التی لم یختلف فیها مع أمریکا. وقرارات الأمم المتحدة رغم ضعفها وکونها قرارات متحفظة لم تکن لتلقى أی اهتمام بها من قبل الدولة الصهیونیة المختلقة المتمردة. فهی بذلک وبدعم أمریکی وأوربی تعتدی عسکریاً على مصر وسوریة والأردن ولبنان وتحتل مساحات من أراضیها بنیّة احتلالها الدائم وتتحدث وتهدد بالاغتیال والقتل والنهب دون أن تأبه لأحد ویتوالى على القیاده فیها إرهابیون معروفون الواحد تلو الآخر وکان آخرهم جزار «صبرا وشاتیلا» المعروف. وهکذا تستمر على مسرح فلسطین لعشرات السنین دولة غاصبة بمظهرها الخشن المتصلب المتطلب دائماً للمزید والعاصی على کل هزیمة.
وعلى الجبهة الأخرى، وبعد ذلک الضعف والهزیمة الأولى وفشل المساعی القاصرة للسنین الأولى حیث التجارب تتوالى وتفشل معها الذرائع الفکریة والعملیة من الادعائات القومیة والوطنیة إلى الیساریّة المارکسیة وأمثالها على مستوى الواقع العملی، یرسم الإیمان الدینی، الذی کان الشعب ملتزماً به بقوة وبهمة المجاهدین الصابرین المقاومین وبالتدریج، نقاطاً مضیئة فی الأفق المعتم المحزن ویخلق الآمال. وفی هذه الأثناء تبزغ فجأة شمس الثورة الإسلامیة من الشرق لیرتسم على رایة هذه الثورة الإلهیة الخفاقة إلى جانب سم الله والشریعة الإسلامیة سم فلسطین.


ومن هذا المنعطف تتغیر مسیرة الحوادث وتبدأ فی المنطقة مسیرة زوال الدولة الغاصبة وفناء السیطرة الأمریکیة المطلقة التی کانت على مدى السنوات الممتدة شریکاً لإجرام الدولة الغاصبة. وتنطلق مسیره المجامیع الجهادیة المؤمنة بالإسلام فی فلسطین ولبنان وینشأ جیل مناضل صلب وصادق ویحیا من جدید منطق الجهاد والشهاده وتحتل القدرة الحقیقیة ـ وأعنی بها قدرة الشعب الذی یترسخ فیه عزم المقاومة والتضحیة ـ موقعها فی معادلات فلسطین والمنطقة من جدید. ویعمل الدم الطاهر للشباب الاستشهادی والحضور المیدانی للمناضلین المضحین على قلب کل حسابات هواة السلطة وعبّاد المادة وعشاق اللذة لیفتح میداناً جدیداً ینتصر فیه الدم على السیف.


والیوم وبعد مرور ستین عاماً على تلک البدایة الحافلة بالمحن تنطلق على أرض فلسطین یوماً بعد یوم بقوة متناهیة وبنَفَس جدید وعزم قوی جبهة الحق بآمال حیة وبدافع إیمانی یستقطب الأجیال الجدیدة الواحدة تلو الأخرى فتفرض على العدو الهزائم العسکریة والسیاسیة المتتابعة فی لبنان وفلسطین وتتقدم بجهادها الحماسی نحو الفتح المبین وکان الخطاب الإلهی الصادق یتوجة إلیها عبر قوله تعالى: «وَعَدَکُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ کَثِیرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَکُمْ هَذِهِ وَکَفَّ أَیْدِیَ النَّاسِ عَنکُمْ وَلِتَکُونَ آیَةً لِّلْمُؤْمِنِینَ وَیَهْدِیَکُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِیماً. وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَیْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَکَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیراً» (الفتح، 21-20).


وعلى الطرف الآخر نلاحظ ان جبهة الباطل بعد التقهقر المتوالی وفقدان الآمال الکاذبة الأولى تقع فریسة التمزق والشک والضیاع فی حین تواجه أمریکا ـ وهی الداعمة الأساسیة ـ فی الشرق الأوسط مشکلات لا حلول لها ونفوراً متزایداً من شعوب هذه المنطقة بل من کل العالم تجاهها وتنازل شعار من «النیل إلى الفرات» إلى شعار «الأمن» وأیّ أمن ؟ أمن یکمن خلف جدار یبنیه النظام حوله، ولا یملک فی مجال مواجهة فلسطین المنتفضة سبیلاً غیر الدبابة والقنبلة والاغتیال والسجن والجرّافة وهی نفسها الوسائل التی أدى استخدامها عبر عشرات السنین الماضیة إلى ما نراه الیوم من الموقف الحدیدی المتصلب للشعب الفلسطینی ولذلک لن تترک أثراً بعد هذا سوى مقاومته المتصاعدة.


إخوتی وأخواتی،
إن شعب فلسطین الیوم یتحرّک فی میدان جهاد صعب وممتد، ولا یقتصر هذا على جهاد فلسطین فحسب وإنما هو جزء بارز من الجبهة الواسعة لجهاد العالم الإسلامی ضد المستکبرین والمعتدین والسفاحین والغزاة.


لقد وعى العالم الإسلامی وعاد شعار الحاکمیة الإسلامیة فی جمیع الأقطار الإسلامیة یحتل المرتبة الأولى بین الشباب والجامعیین والمثقفین فی هذه الأقطار وعادت إیران الإسلامیة وهی التی تطرح وتنفذ فکرة «سیادة الشعب فی الإطار الدینی» تقوى وتتقدم یوماً بعد یوم، کما عاد الإسلام الأصیل، الذی اعتبره الإمام الخمینی (قدّس سرّه) منزّهاً عن التهجین والانحراف والجمود والتحجّر، یمتد فی الساحات السیاسیة لکثیر من الأقطار ویعمق جذوره فی شرق العالم الإسلامی وغربه.


إن المذاق المرّ والمسموم للیبرالیة الدیمقراطیة الغربیة ـ التی عمل الإعلام الأمریکی بکل خبث على تقدیمها علاجاً شافیاً ـ قد بثّ الوهن فی روح الأمة الإسلامیة وجسدها وأحرق قلبها. وإن ما یجری فی العراق وأفغانستان ولبنان وغوانتانامو وأبو غریب والزنزانات المخفیة الأخرى وقبل ذلک کلّه ما یحصل فی مدن غزة والضفة الغربیة قد ترجم حقیقة المصطلح الغربی للحرّیة وحقوق الإنسان الذی روج له بکل وقاحة وصلافة النظام الأمریکی.


لقد أصبحت اللیبرالیة الدیمقراطیة الغربیة الیوم فی العالم الإسلامی مفضوحة ومقززة کما کانت علیه الإشتراکیة والشیوعیة فی الشرق بالأمس. إن الشعوب المسلمة تواقة لنیل الحریة والکرامة والتقدم والعزة وفی ظل الإسلام. ولقد سئمت من تحکم الأجانب والمستعمرین لمائتی عام فی شؤونها وتعبت من الفقر والذلة والتخلف المفروض علیها.


إن من حقنا ـ ونستطیع ـ أن نعید حالات المهانة والتکبر للقوى الجشعة إلى نحورها، هذا هو الشعور الصادق لشعوبنا وجیلنا والجیل الحاضر للعالم الإسلامی من شرق آسیا حتى قلب أفریقیا وهذا هو میداننا الجهادی المعقد والمتنوع والصعب والممتد. وإذا اعتبرنا فلسطین رایة هذا الجهاد فلن یکون اعتبارنا هذا جزافاً.


إن على جمیع العالم الإسلامی الیوم ان یجعل قضیة فلسطین قضیته. إنه المفتاح السحری الذی یفتح أبواب الخلاص أمام الأمة الإسلامیة. ویجب ان تعود فلسطین للشعب الفلسطینی وان تدیر کلّ القطر الفلسطینی دولة فلسطینیة واحدة ینتخبها کل الفلسطینیین.


لقد بائت المحاولات التی دامت خمسین عاماً لإنجلترا وأمریکا والصهاینة لمحو اسم فلسطین من خارطة العالم وتذویب الشعب الفلسطینی فی الشعوب الأخرى بالفشل وأدى الضغط والظلم والاضطهاد إلى نتیجة عکسیة. إن الشعب الفلسطینی الیوم أکثر حیویة وبسالة ونشاطاً من أسلافه قبل ستین عاماً ویجب أن تستمرّ هذه المسیرة التی ولدت فی ظل الإیمان والجهاد والانتفاضة المفعمة بالفخر ویتحقق الوعد الإلهی حیث قال تعالى:«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنکُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُم فِى الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً یَعْبُدُونَنِى لَا یُشْرِکُونَ بِى شَیْئاً وَمَن کَفَرَ بَعْدَ ذَلِکَ فَأُوْلَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (النور، 55).


إذا نظرنا إلى الدائرة الأوسع أی العالم الإسلامی نجد أیضاً أن نیل هذا الهدف السامی وهو التحرّر من تسلط المستعمرین وغطرستهم وتدخلهم والحیاة فی ظلّ الإسلام أمر ممکن وقابل للتحقق وهو یبتنی بشکل طبیعی على جهاد من نوع آخر إنه الجهاد العلمی والسیاسی والأخلاقی. ولقد جرّب الشعب الإیرانی فی ال27 عاماً الماضیة ذلک وقطف ثماره الحلوة. ویقوم هذا الجهاد المقدس على النزعة الإیمانیة والاتجاه الشعبی والتوجة العلمی وتتمثل هذه المیزة بأن کل خطوة ثابتة فی هذا الطریق تجعل الخطوة التالیة أکثر ثباتاً وأن طی کل مرحلة منه تجعل المرحلة التالیة أکثر إمکاناً.


إن الشرط الأصلی لنجاح الجهاد فی فلسطین والجهاد فی العالم الإسلامی هو الثبات على المبادئ والأصول. إن العدو یستهدف باستمرار خطف هذه الأصول ویؤکّد عبر الخداع والوعود والتهدید على غض الطرف عنها، ومع حذف هذه الأصول أو تضاؤل تأثیرها فإن العالم الإسلامی سوف یضیّع المعالم الهادیة ویعیش فی ظلّ قواعد یرکزها العدو وحینئذٍ فالعاقبة واضحة.
إننا نجد البعض منا ومن شعوبنا، وبإیحاء وتبعیة للعدو، یوصوننا بترک أصولنا ویعتبرون ذلک نوعاً من التکتیک والتدبیر. ومهما کانت دوافعهم فإنهم یشکلون مصادیق لقوله تعالى: «فَتَرَى الَّذِینَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ یُسَارِعُونَ فِیهِمْ یَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِیبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن یَأْتِیَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَیُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِی أَنْفُسِهِمْ نَادِمِینَ» (المائدة، 52)
إنهم لن یحصلوا من خلال تعاونهم مع العدو على أی نفع، فقد أثبتت أمریکا والغرب معها أنها لن ترحم حتى المستسلمین، فإذا استنفدت الغرض منهم رمتهم إلى صندوق النفایات.


ویحاول البعض أن یطرح قدرة العدو ویخیف طلاب الحق بها، ولکن هذا الکلام یتضمن مغالطة خطرة وذلک:


أولاً: لأن العدو الذی یخشى الإنسان العاقل من التعرض له لیس هو العدو الذی یستهدف منافعه الحیاتیة وأصل وجوده. إن المقاومة ضد مثل هذا العدو هی مما یحکم به العقل الإنسانی بشکل قاطع، ذلک لأنه من البدیهی أن الخسارة الحقیقیة التی تنشأ من الاستسلام له تساوی الخسارة المحتملة الناجمة من الاصطدام به، فضلاً عما یستتبعه الاستسلام من ذلّ وهوان.
إن الاستکبار العالمی الیوم ـ الذی یعتبر الرئیس الأمریکی الحالی ناطقاً باسمه ـ یهدّد العالم الإسلامی بکل صراحة متحدثاً عن الحرب الصلیبیة. وإن الشبکة الاستکباریة للصهیونیة والمنظمات التجسسیة الأمریکیة والإنجلیزیة تزرع بذور الفتنة فی کل العالم الإسلامی، عبر دعمها المادی وتشجیعها، فتتم الإساءة للمقدسات الإسلامیة، وحتى الشخصیة الملکوتیة للنبی الأعظم (صلّى الله علیه وآله وسلّم) لا تسلم من هذا التطاول السخیف، ویتمّ إنتاج الآلاف من الأفلام السینمائیة والألعاب الحاسوبیة وأمثالها لتشویه صورة الإسلام والمسلمین، ویدفع بها إلى السوق، کل هذا بالإضافة إلى جرائمهم فی الإعتداء على الأقطار الإسلامیة، ومذابحهم فی فلسطین والعراق وأفغانستان، وتدخلهم الجشع فی الأقطار الإسلامیة لضمان مصالحهم السیاسیة والاقتصادیة اللامشروعة. إن الاستسلام لهذا العدو أمر یرفضه حکم العقل مطلقاً ولا یوصی العقل والشرع فی هذا المورد إلا بالمقاومة.


ثانیاً: إن التهویل والمبالغة فی قدرة العدو هو نفسه أحد الأسالیب الماکرة له. إن المال والقدرة السیاسیة والعسکریة والمعدات الحربیة المتطورة والمتراکمة إنما تخیف الحکومات المحرومة من دعم شعوبها، وإن الانتصار العسکری على نظام مثل نظام صدام ـ الذی لا یحظى بدعم من شعبه ولا یملک جیشه أی دافع إیمانی وجهادی ـ لا یعتبر دلیلاً على القوة، وها هی امریکا تقف عاجزة عن الانتصار على الشعب العراقی.


إن العراق کما استطاع أن یوضح ویفضح هشاشة الإدعاء الأمریکی لنشر الدیمقراطیة، استطاع أیضاً أن یتحدى ادعائها للقدرة المطلقة التی لا تقهر ویسخر منها. إن الشعوب والحکومات المعتمدة على شعوبها إن تمتعت برصید من الإیمان بالله والإیمان بذاتها واتخذت المقاومة سبیلاً، لن تنهزم وسوف یمنحها صبرها على مصاعب الجهاد النصر، ویبطل الأسطورة الکاذبة لقدرة العدو المعتدی التی لا تقهر، وهذا ما أثبتته الأحداث الحاضرة والماضیة غیر البعیدة، وسوف تثبته بعد هذا إن شاء الله.


إن الحلقات المترابطة للتآمر الأمریکی ضد إیران والعراق وسوریا ولبنان لتحقیق السیطرة على شرق أوسط یقوده النظام الصهیونی لن تصل إلى نتیجة سوى الخسارة المدمرة لقادة أمریکا. ولو احتکمت أمریکا صدفة لعقلها ووجدانها، کان علیها أن ترفع یدها عن تعنتها تجاه الشعب العراقی وتمکنه من تحکیم إرادته فی اختیار حکومتة المفضلة، وأن تحترم الحکومة المنتخبة من قبل الشعب الفلسطینی وتوقف حلیفها المتمرّد الشریر ـ أی النظام الصهیونی الغاصب ـ عند حدّه، وتطلق سراح السجناء المظلومین فی غوانتانامو وأبو غریب وباقی سجونها السرّیة فوراً، وتوقف تآمرها ضد سوریا ولبنان والجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، ولا تلهب بجهلها منطقة الشرق الأوسط والخلیج الفارسی الحساسة.


فی الختام، أقولها لشعب فلسطین الباسل المقاوم:


لقد رفعتم رأس العالم الإسلامی عالیاً بجهادکم وصبرکم ومقاومتکم الرائعة، وعدتم أمة نموذجیة. إن العبء الثقیل لهذه المحنة العظمى لم تحن ظهورکم وإن الدم الطاهر لشهدائکم زاد من عزیمتکم وثباتکم. إن عدوکم عبر القسوة واستباحة الدماء والقتل والدمار والخطف والأعمال الوحشیة لم یستطع أن یرغمکم على التراجع. إنکم الیوم أقوى من أی وقت مضى، وإن دماء الشهداء العظام مثل الشیخ أحمد یاسین وفتحی الشقاقی والرنتیسی والشباب الاستشهادی وباقی شهدائکم المظلومین انتصرت لحد الآن على سیف العدو وستنتصر بعد هذا بحول الله وقوته.


إننا فی الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة ـ ومعنا حتماً الکثرة الکاثرة من المسلمین والأحرار فی جمیع أنحاء العالم ـ نعتبر أنفسنا شرکاء فی محنتکم، شهداؤکم شهداؤنا، ألمکم وحزنکم ألمنا وحزننا، وانتصارکم انتصارنا. إن الأمة الإسلامیة الکبرى لا تستطیع ـ کما هو الغرب بأسالیبه المزورة ـ أن تبقى ساکتة غیر مبالیة تجاه الظلم الذی یطالکم، وتمدّ ید المودّة لعدوکم، وکل من یقف هذا الموقف معکم، فهو یتخذ سبیل العداء لکم، ولاریب أن الشعوب المسلمة مبرّأة من هذه الخطیئة الکبرى.


إن على الأمة الإسلامیة أن تدعمکم بکل ما تستطیع من دعم، وتعینکم على استدامة هذا السبیل المبارک. ثقوا بالوعد الإلهی، واحتسبوا عند الله کل الآلام المقرحة، والدماء المسفوکة دون حق، والمصاعب التی تصبّ علیکم یومیاً، ورددوا ما قاله سید شهداء العالم الحسین بن علی (علیهما السلام) فی تلک اللحظة التی استشهد فیها طفله الرضیع وهو یضمّه إلى صدره بسهم مسموم: «إنما یهَوّن الخطب علیّ أنه بعین الله» واعلموا أن الله ضمّن للمؤمنین والمجاهدین الصابرین النصر النهائی، وتمّت کلمة ربک صدقاً وعدلاً، لا مبدّل لکلماته.


والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته

 

المصدر:          farsi.khamenei 

 

Parameter:224930!model&8309 -LayoutId:8309 LayoutNameالگوی متنی کل و اخبار(عربی)